5 ـ لماذا تكون الكرامة للولي؟
إن الخطأ في فهم الولي وفهم الكرامة أديا إلى انحراف عظيم، وفتح بابًا لخدع وحيل الشياطين التي صارت تُظهِر رجال التصوف بمظهر رجال الغيب والخضر وغير ذلك، وأخذت عندهم قبولًا وسرورًا ظنوها كرامات وكشوفات، ولم تكن في الحقيقة سوى مخادعات. ثم لم يعد هناك ضابط للكرامة، ومعرفة لسببها. وغاب عنهم أن الكرامة إنما تكون لنصرة الدين وإقامة السنة وتأييد ما جاء به النبي. فهي من دلائل النبوة ومن جملة آيات الأنبياء ولذلك كان الولي يتحدى بكرامته ولا يكتمها. مثال ذلك:
ـ ما حدث للأسود العنسي الذي قال لأبي مسلم الخولاني: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. فألقاه في النار فصارت عليه بردًا وسلامًا [1] .
ـ ومثل المؤمن الذي يقتله الدجال ثم يحييه فيقوم ثم يقول: أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيريد الدجال أن يقتله فلا يقدر على ذلك. فهذا الرجل يقوم بعد أن يقتله الدجال ويقول للدجال: أنت الأعور الكذاب، فيعجزه عن قتله ثانيًا وهذا من خوارق العادات التي لا توجد إلا لمن شهد للأنبياء بالرسالة، وهذا الرجل من خيار أهل الأرض من المسلمين. وقصة خالد بن الوليد حين شرب السم ولم يضره. وقصة عمر حين نادى سارية.
ـ فهذه كرامات حصلت لتأييد الدين وليست تابعة لهوى مدعي الولاية الذين يأتون بعجائب الحكايات كالولي الذي يشتهي اليوم طعامًا فيتنزل عليه رجال الغيب بما يشتهي، أو ذاك الولي الذي يدخل البيت من شقوق الباب الذي تعجز النملة عن دخوله. وإنما للكرامة غاية سامية شريفة يحصل بها تأييد ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ثم صار منها ما يحكي خروج الميت، فيخرج من قبره ليقضي الحوائج ويتصرف في الكون ويربي المريدين وهو في قبره، حتى قال الشعراني [2] "إن من شرط صحة بداية المريد"
(1) انظر البداية والنهاية 6: 267 - 269 .
(2) لطائف المنن 578 .