فيأتيك بفتوى خاطئة أو رأي مرجوح زلت به قدم عالم فاضل ، فيأتي رجل كالحبشي بمجموعة الزلات بعد أن يكون أمضى عمره في جمعها وترتيبها يستجلب بها أصحاب نفوس مريضة وهوى مستحكم ، يريدون الحق ولكن: تبعًا لأهوائهم .
فمن كان يبحث عن فتوى ترخص له تعطيل الزكاة يجد"بغيته"عند الحبشي ، ومن كانت نفسه تميل إلى أخذ الربا و"جمع الغنائم"والمقامرة يجد"بغيته"عند الحبشي . ومن كانت تريد فتوى ترخص لها الخروج متعطرة متزينة متكشفة تجد"بغيتها"عند الحبشي .
هو لا يقول لك: الزكاة حرام ، الربا حلال ، اليانصيب حلال ، إذ لو فعل لكان غبيًا ساعد على كشف أمره ، لكن طريق الشبهات طريق ماكرة تعود بالناس إلى الإباحة بعد التحريم .
يأتي بأحاديث وآثار لا تعرف لها صحة ويبني عليها عقيدة ، ويحتج لها بأسانيد فاسدة ، فيزعم أن الله قال للملائكة"أسكتوا يا ملائكتي"وأنه أمر جبريل بتوزيع أقداح الشراب بمناسبة مولد نبيه - صلى الله عليه وسلم - [1] .
وهم محترفون في ترتيب المقدمات الفاسدة وتلبيس الدلائل والشواهد الباطلة في إثبات مقاصدهم ، ويكثرون من الافتراء على الخصم لتحطيمه نفسيا ، ويستقطعون من كلام الآخرين نصوصًا يكذبون معها مائة كذبة: فإما أن يبتروا النص أو ينقلوه بالمعنى الذي يفهمونه . ولذلك لا يحل لأحد أن يأخذ كلامهم ونصوصهم حتى يتحقق منها ويتفحصها بدقة ، فإن للنصوص لصوصًا !
وقد كانوا فتنة مدبرة أريد بهم ضرب كل مرجعية إسلامية وتوجيه الإهانات إلى كل طالب علم نشيط تتوجه إليه قلوب المسلمين ومن ثم قذفه بشتى الرذائل حتى يسقط من أعين العامة ولا يبقى للصحوة إلا أئمة ضلال أو غيارى لا علم لهم ، فتتخبط مسيرة الأمة بعد ضرب مرجعيتها ، وهي مؤامرة خطيرة ولعبة قذرة يضمن بها عدو المسلمين بقاء عامة المسلمين حيارى كالنعاج لا قيادة علمية مخلصة تقودهم على نور من كتاب ربهم وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .
وقد بالغ اتباعه في إطرائه حتى صاروا يشترطون على الداخل عليه أن يصلي ركعتين يسمونها صلاة التوبة ، وهاتان الركعتان في الحقيقة هما"تحية الشيخ"!
وزعم أتباع الحبشي أنه ينتمي إلى السلالة النبوية ، بل صاروا يقولون"الشيخ عبد الله الهرري العربي القرشي"وورد في مجلتهم أن نزار حلبي من سلالة النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] .
قال السبكى"ولو أن أحدًا من الخلق غيره ( أي الشافعي ) ادّعى أنه قرشي وأراد منا هذه الرتبة لقلنا له: أولًا أثبت أنك قرشي ، وهيهات ! فكم من الأعراب في هذا الزمان من يدّعي أنه قرشي ولا نستطيع أن نحكم له به ، لعدم تيقن ذلك أو غلبة الظن به" [3] .
وقال الكوثري [4] "ومن دأب أهل العلم أن لا يفتخروا بأنسابهم ، ذاكرين قوله تعالى { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ } وأن لا يناقشوا الناس في أنسابهم ائتمانًا لهم عليها ما لم يحاولوا جر مغنم بها فإذ ذاك يطالبونهم بحجة شرعية تثبت نسبهم ، والنسب ليس بمكتسب ، والمرء إنما يوجه اليه المدح أو القدح بما كسبت يمينه . { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } . وقال - صلى الله عليه وسلم -"ومن بطأ به عمله ، لم يسرع به نسبه" [5] ."
(1) المولد الشريف ص 18.
(2) مجلة منار الهدى 12/36 .
(3) طبقات السبكي 1/196 محققة .
(4) إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق ص6 .
(5) رواه مسلم .