... وهذه القضية لم تطرأ إلا في هذا العصر وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى حين حرمت أغلب الدول التعامل بالذهب والفضة وجعلتهما أرصدة مخزونة يغطيان الأوراق المتداولة نيابة عنهما بينما كان الأمر في عهد الشافعي ومالك مختلفا تمامًا ، فإن الذهب والفضة لم يكونا من قبل ممنوعين ، أما اليوم فقد صاروا مكنوزين في البنوك المركزية لتغطية العملة الورقية المتداولة . وصارت هذه العملة الورقية بمنزلة الذهب والفضة بدليل .
... *أنه يمكنك أن تشتري بهذا الورق ما شئت من ذهب ومن فضة .
... *أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"من أعطى زكاة ماله"وهذا الورق يصح إطلاق لفظ المال عليه . فمن ملك هذا المال يسمى عند الناس غنيًا ، ومن لم يملكه يسمي فقيرًا ، ومن أخذ قليله اغتنى به .
... *أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما انتدبه على أهل اليمن"فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"فهذا حق الفقراء . وهذه الفتوى الباطلة إنما تؤدي إلى حرمان الفقير حقه من أهل الأموال .
... *أن من كان يملك آلافا مؤلفة من العملة الورقية ولا يملك الذهب والفضة: ففي أي جانب يكون ؟ أيكون في جانب الأغنياء أم الفقراء ؟
... *أن جمهور فقهاء العصر على وجوب زكاة الأوراق النقدية سوى الأحناف الذين اشترطوا لزكاتها صرفها بالمعدن الثمين"الذهب والفضة" [1]
... *أنها صارت ثمنًا للأشياء بدلًا من الذهب والفضة وينتفع بها صاحبها انتفاعه بهما .
... *أنها مغطاة بالذهب والفضة متأثرة بهما سلبًا وإيجابًا ولو سحبا من البنوك المركزية لم يعد للأوراق قيمة .
... *أن القول بعدم الزكاة فيها منع لركن الزكاة وتعطيل له ، فإنها اليوم من أعظم أنواع أموال الزكاة .
... *أن القائلين بعدم الزكاة فيها أحد اثنين .
... إما مجتهد مخطئ مخالف لما أجمع عليه جمهور الأمة وقوله شاذ .
... وإما مفسد يتحرى الشاذ من الفتاوى لينشرها بين المسلمين بغرض إضلالهم وفتنتهم في دينهم.
... أما الأول فنسأل الله له المغفرة وأن يجعل له نصيبًا من الأجر إن كان مجتهدًا متأولًا .
... أما الثاني: فنسأل الله تعالى أن يمكر به ويفضحه بين المسلمين .
... وتجدر الإشارة إلى أنه حتى زكاة الذهب أو الفضة التي لا مفر للأحباش من أدائها فإنهم لا يلبثون أن يستردوها بطريق الحيلة على الله ، فيعطيها أحدهم لأخيه المستحق للزكاة ثم يطلب منه أن يوهبه إياها أو بعضها من باب الهدية .
... فهذا مذهب من لم يقدر الله حق قدره ، ولم يع ما يليق بالله من صفات السمع والبصر والعلم بما تخفي الصدور .
... سئل الحبشي عن حكم ذبيحة من لا يصلي فقال"تؤكل"فقيل له وهل يجوز أن تؤكل إذا لم يذكر اسم الله عليها ؟ قال"نعم تؤكل" [2]
(1) الفقه الإسلامي وأدلته 2: 72 .
(2) شريط: الحبشي رقم 3 عدد 616 .