... يجب الاعتراف بفضل علماء وفقهاء هذه الأمة والخير الذي تركوه من بعدهم ، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم فقد شهدت الامة بصلاحهم ونبلهم وأحبهم من رآهم ومن لم يراهم .
... وإن المحذر من التقليد الأعمي ليس داعيًا إلى كفران فضلهم وإنما يدعو إلى ما دعوا إليه وينهي عما نهوا عنه ، فقد نهوا عن تقليدهم تقليدًا أعمي فيما نسميه ب"التعصب"الذي جاء الإسلام لأستئصاله .
... فإنه لا غني لطالب العلم عن أقوالهم واجتهاداتهم ليستعين بها في فهم نصوص الكتاب والسنة ولكن من غير أن يجعل مذاهبهم وفتاويهم مقدمة على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حاكمه بين الناس فيما اختلفوا فيه من دون التحاكم إلى الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - . فأننا مع تعظيمنا لهم نعلم أنهم بشر غير معصومين ولهم طاقات محدودة ، وإن العلم يستوعب الرجال ولكن الرجال لا يستوعبون العلم كله .
... ونؤمن أنهم قد أوصلوا الناس بعلومهم إلى مرحلة يمكن لمن يأتي بعدهم أن يسهم في قطع مراحل أخري من العلم وكذلك من جاء بعدهم يقطع مراحل أخري .
... والاواخر في كل علم وفن عالة على المتقدمين ، وعلمهم ثمرة لشجرة غرسها سلفهم الصالحون ، فعاد افضل للأوائل .
ولكن حالأهل التقليد دون الوصول إلى هذه المراحل واكتفوا بمرحلة الأئمة .
... فقد أبي بعض دعاة التقليد الأعمي إلا الانغلاق والتغصب والجمود فأغلقوا باب الاجتهاد بالكلية وشبهوا الخارجين عن طور التقليد بالخارجين عن طور الدين . وصار هو البدعة في الدين والفوضي التي تهدم الدين . وحكمةا بالغيب أن الله لن يخلق لهذه الأمة عالمًا واحدًا مجتهدًا وكأن الله قد أطلعهم على غيبة أنه لن يخلق مجتهدًا .
... أنه يجوز للعوام تقليد مذهب من المذاهب وذلك بسبب عجزه عن طلب العلوم أو لكونه أميًا ولكن بشرط أن لا يتعصب لقول مذهبه فيما تبين له أنه راجح عند الإمام الآخر ، فإن الأراء الراجحة مقسمة بين الائمة وليست في مذهب واحد فقط دون الآخرين فتارة يكون قول الشافعي هو الراجح وتارة يكون قول أبي حنيفة أرجح منه وتارة يكون الحق حليف مالك وتارة يكون الحق حليف أحمد . وهكذا .
... وهذا لا يعني تحريم تقليد العامة لمذهب أو لأمام يثقون في دينه ولكن بشرط: متي ظهر لهم أن الحق يخالف المذهب في مسألة ما فعلىهم أن يتركوا المذهب في المسألة عينها ويدوروا مع الحق حسثما كان .
... وإذا كان مقلدًا لأحمد وتبين أن قوله في مسألة غير راجح وأصح منه قول الشافعي فإنه يذهب مع الشافعي في هذه المسألة دون أحمد ولا مانع أن يبقي في غير هذه المسألة على مذهب أحمد .
... وحينئذ لا يضر العامة تقليد أئمتهم في خطأ لم يتبين لهم ، ما داموا على هذه النية مستعدين لتقديم قول الله ورسوله على قول المذهب والإمام . لا أن يكون حالهم كحال المقلدين القدامي الذين"إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"هذا هو المنهج الذي أوصي به أئمة المذاهب .
... يقول الحافظ ابن عبد البر"فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ، ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك 000 ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها . وأنهم المرادون بقول الله عز وجل {فأسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون } الأنبياء 7 ."
... وقال ابن تيمية"والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة ، والتقليد جائز في الجملة: لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد ، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد" [1] وبهذا ينتفي كلام من زعم أننا نحرم االتقليد مطلقًا ، وإنما نحرم ذلك التقليد الأعمي الذي يصير صاحب المذهب به
(1) مجموع الفتاوي 20/202 .