"فإن المعتبَرَ عندهم خرق عادة من أرسل إليهم، وعلى هذا فإذا أرسل [رسول] إلى بني إسرائيل ففعل ما لم يقدروا عليه كان آية، وإن كان ذلك مما يقدر عليه العرب ويقدر عليه السحرة والكهان، وصرحوا بأن السحر الذي قال الله فيه {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} أنه يجوز أن يكون من معجزات الأنبياء إذا لم يعارض" [1] .
ولهذا كان في كلامهم تعطيل للنبوة وإزراء بمعجزاتها، فإن في ذلك التسوية الكاملة بينها وبين ما يأتيه الساحر والكاهن، اللهم إلا اشتراط شرطين لا وزن لهما. وهذا ما دعا ابن تيمية إلى القول بأن"ما يأتي به السحرة والكهان يمتنع أن يكون آية لنبي بل هو آية على الكفر فكيف يكون آية للنبوة وهو مقدور للشياطين؟"
ثم عقب على أقوالهم هذه فقال"وفي هذه الأقوال من الفساد عقلًا وشرعًا ومن المناقضة لدين الإسلام وللحق ما يطول وصفه".
قال:"ولا ريب أن قول من أنكر وجود هذه الخوارق أقل فسادًا من هذا، ولهذا يشنع عليهم ابن حزم بالشناعات العظيمة [2] ."
هذا ويقضي أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر فلا يجدون.
قال ابن تيمية"ولهذا كان منتهى كلامهم في هذا الباب إلى التعطيل، وهذا ما جعل الغزالي وغيره يعدلون عن طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات على أصولها، لأنها لا تدل على نبوة نبي [3] ."
ـ قال"وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جن ولا أنس [4] فهي خارجة عن قدرة الجن والإنس ولله الحمد والمنة."
ـ ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الأنس لكن يختلف في المواضع، فإن الأنسي يقدر على أن يضرب غيره حتى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام يمرض به أو
(1) النبوات 197 .
(2) النبوات 197 - 198 .
(3) النبوات 198 .
(4) النبوات 198 .