ـ وقولهم ينزل أمره باطل ومتناقض فإنه ليس عندهم في السماء شيء فمن أين ينزل أمره؟ أليس ينزل الأمر ممن هو فوق؟.
ـ ومن المعلوم عند أهل الكلام أن الرحمة صفة، وأن الصفة لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل، وهي لا تتكلم بنفسها ولا تقول أنا الله، فالقائل هو الله حقيقة والفاعل هو الله حقيقة. ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم يتنزل إلينا فأي منفعة لنا في ذلك؟
سابعًا: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع فهو تنازع يُرَدّ إلى الكتاب والسنة. وهو تنازع مسبوق بتنازع الصحابة في تفسير القرآن وغيره. فقد اختلف ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} قال ابن عباس"هو دخان يجيء قبل يوم القيامة، بينما قال ابن مسعود"هو ما أصاب قريشًا من الجوع.
ـ وروى البخاري عن الفضيل بن عياض أنه قال"إذا قال لك الجهمي أننا لا نؤمن بربٍ ينزل عن مكانه فقل له أنت: أنا أؤمن بربٍ كيف يشاء" [1] .
وسئل ابن المبارك عن حديث النزول - كيف ينزل؟ فأجابك"ينزل كيف يشاء" [2] .
ـ فلماذا الميل إلى تأويل صفة النزول؟ أخوفًا من التشبيه، فإنه لا يعتبر تشبيهًا إلا عند أهل الوسوسة. فكما أنهم يؤمنون بإرادةٍ لله ليست كإرادتنا وبكلام ليس ككلامنا: فما الذي يمنعهم أن يؤمنوا بنزول ليس كنزولنا وباستواء ليس كاستوائنا؟!
وأما احتجاجهم بقول الحافظ ابن حجر أن"المشبهة حملوا النزول على ظاهره" [3] .
والجواب: أننا نحتج عليكم وعلى الحافظ رحمه الله بقوله هو"أن المعتزلة والجهمية تذرّعوا بالذريعة عينها فقالوا من أثبت هذه الصفات فهو مشبّه. ثم نقل عن الجويني ارتضاؤه في نهاية المطاف ترك التأويل. ونقل عن إسحق بن راهويه أن التشبيه إنما يكون إذا قيل: يد كيد وسمع كسمع [4] ."
(1) رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص 17 وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي 3/452 وعقيدة السلف للصابوني 1/118 واحتج بها الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه الغنية لطالبي الحق (ص 58) وانظر الأسماء والصفات للبيهقي 569 أو 2/197 تحقيق حيدر.
(2) رواه البيهقي في الأسماء والصفات 569 نسخة حيدر 2/198-199 وهذا القول من ابن المبارك يبطل تحريف الأشاعرة لقول السلف (بلا كيف) .
(3) مجلة منار الهدى 11/28.
(4) فتح الباري 13/ 407.