فهرس الكتاب

الصفحة 888 من 1116

وقد حكم بانسلاخ أحد مخالفيه من الدين (خالد كنعان) فقال له"ولعلك منذ أربعين سنة انحرف قلبك أم منذ كم؟ فعارٌ عليك أن تدّعي الإسلام بعد هذا الكفر الذي كفرتَه، ثم لما جاءك المسخ القلبي انسلخت منه كما انسلخت عن حكم تكفير سابّ النبي؟ وهذا تسجيلٌ آخر على نفسك بأنك منسلخ عن السلف والخلف" [1] .

وليس من خلاف بين الفريقين في حكم ساب النبي - صلى الله عليه وسلم - سبًا صريحًا، ولم يكن الخلاف حول حكم شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما حول قصة ذاك الرجل الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -"إعدل يا محمد"بالكفر؟ ومحل الخلاف في كون هذه الكلمة سبًا صريحًا أم لا. وإذا كان كذلك فلماذا لم يقتله النبي - صلى الله عليه وسلم - ردّة، علمًا بأن هذا الرجل"ذا الخويصرة"كان له يد في بعض الفتوحات الإسلامية كالعراق والأهواز، وقد قيل إنه انضم بعد ذلك إلى صفوف الخوارج، لكن الخوارج أنفسهم لم يكفروا على الراجح من قول أهل العلم [2] . فلا يبدو من ا لصحابة أنهم عاملوه معاملة الكافر المرتد. واستغل الحبشي هذه الحادثة وحكم على خالد كنعان بالكفر والانسلاخ من الدين.

وهو متناقض شديد التناقض فقد سأله خالد كنعان نفسه عن التلفظ بالأقوال الكفرية فقال"الحكم لي على هذه الألفاظ الكفرية وإنما يكون من خلال فهم الشخص لها فإن كان يفهم منها كفرًا فلا نكفّره" [3] . مع أنه دائم التكفير لمن يخالفه ولو كان في مسائل بسيطة.

الحافظ يشهد بأن أهل الكلام تكفيريون

ولقد أبدى الحافظ ابن حجر استياءه من ذلك فقال"والعجب ممن اشترط ترك التقليد من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول الداعين إليه . . فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في معرفة الله تعالى. وكفى بهذا ضلالًا، ويلزم من ذلك إلى القول بعدم إيمان أكثر المسلمين" [4] . ونقل عن البيهقي في كتاب الاعتقاد أن غالب من أسلم من الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرفوا إثبات الصانع وحدوث العالم عن طريق استدلال المتكلمين وذكر أن هذا لا يكون تقليدًا وإنما اتباعًا [5] . وأثبت الحافظ أن هذا الاشتراط الذي عرفه المتكلمون إنما قلدوا به المعتزلة الذين

(1) صريح البيان 23 و 29 .

(2) فتح الباري 12/293 .

(3) شريط سؤالات عبد الله الحبشي بداية الوجه الأول.

(4) فتح الباري 13/354 .

(5) فتح الباري 13/353 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت