فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 1116

القاعدة الثالثة: أنه لا يكفَّرُ بالكفر الاعتقادي باستيفاء شروط (شروط التكفير) وانتفاء موانع، بمعنى أن لا يقوم بالشخص مانع من تكفيره كبعض أنواع الجهل والتأويل والإكراه، فقد يجتمع في الأمر الواحد عدة موانع تمنع من الحكم الصحيح، ومثال ذلك استحلال الصحابي البدري قدامة بن مظعون للخمر هو وأصحابه، متأولين قول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] [المائدة 93] .

فظن أنه لا جناح عليه أن يشرب الخمر إذا ما اتقى وآمن وعمل الصالحات.

ومعلوم أن تحريم الخمر ثابت في القرآن وأن من استحله بعد علمه بتحريمه فقد كفر، وكان قدامة يعلم هذا التحريم في القرآن، ومع ذلك لم يحكم الصحابة بكفره وأصحابه لوجود مانع التأويل، فإنه لما بلغ عمرَ خبرُ قُدامة وأصحابه اتّفق هو علي وسائر الصحابة أنهم إذا اعترفوا بالتّحريم جُلِدوا، لأن الحدّ حق الله، وإن أصرّوا على استحلالها قُتلوا (يعني للكفر) وقال عمرُ لقُدامةَ: أخطأت، أمَا إنك لو اتّقيتَ وآمنتَ وعملتَ الصالحات لم تشرب الخمرَ.

ثم أقيم عليه وعلى من معه الحد .

ثم إن عمر بلغه بعد ذلك أن قدامة أيِسَ من التوبة فكتب إليه عمرُ يقول"أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} ما أدري أي ذنبَيْكَ أعظم: استحلالك المحرم أولًا؟ أم يأسُكَ من رحمة الله ثانيًا" [2] .

وهذا الإمام أحمد يحكم على من قال"إن القرآن مخلوق"بالكفر، وكان المأمون يقول بخلق القرآن ويلزم الناس كلهم بهذا القول بل وكان يعذب ويسجن العلماء الذين لا يقولون بذلك، وكان الإمام أحمد ممن نالهم ضرب المأمون وتعذيبه إرغامًا له على القول بخلق القرآن، ومع ذلك لم يكفّره الإمام أحمد بل كان يدعو له بخير ويرى إمامته، ويحدّث على نصرته في فتوحاته، ولم ير

(1) وسبب هذه الآية أنه لمّا نزل تحريم الخمر وذلك بعد معركة أحد: قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يُحرّم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المتقين المصلحين (فتح الباري 8/278 تفسير الطبري 5/24) .

(2) الإصابة 3/228 مصنف عبد الرزاق 9/240 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت