ويدلُّ على ذلك الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند أضاة بني غفار ( وهو مستنقع في المدينة كان ينسب إلى هذه القبيلة ) فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ القرآن على حرف ( أي على وجه واحد من وجوه لهجات العرب) ، فقال: سل الله معافاته ومعونته، فإن أمَّتي لا تطيق ذلك، (أي لأنها متعددة اللهجات، فلا تُطيق قراءة القرآن وفق لهجة واحدة) ، ثم أتاه الثانية، فقال: اقرأ على حرفين، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة بثلاث، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا" ( النووي على مسلم 103/6 ) .
فهذا الحديث صريح في أن الغرض الأساسي من اختلاف هذه الوجوه هو تيسير قراءة القرآن لمختلف القبائل، حتى تستطيع كل قبيلة منها قراءته وفق ما درجت عليه ألسنتها. وذلك أنه يصعب على أفراد قبيلة ما الانتقال من طرائق لهجتها إلى طرائق لهجة أخرى، بل قد يكون ذلك غير مقدور عليه ألبتَّة، وخاصة في طوائف الشيوخ والنساء والأميِّين، وهذه الطوائف كانت تستقطب حينئذ معظم العرب. وما قلنا في القبائل نقول مثله في بطون القبيلة الواحدة.
وقد روي هذا الحديث من عدَّة وجوه، وبلغ في صحته التواتر، حتى لقد رَوَى الحافظ أبو يعلى الموصلي، في مسنده الكبير:"أن عثمان بن عفان قد طلب يومًا، وهو على المنبر يخطب الناس، أن يقف كل من سمع هذا الحديث من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقاموا حتى لم يُحْصوا، فقال عثمان: وأنا أشهد معكم أنني سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وقد اختلف الحفَّاظ في تفسير كلمة"سبعة أحرف"، ولكنهم مُجْمعون على أنها تتضمن تيسيرًا لمعظم قبائل العرب، التي كانت في الجزيرة العربية في ذلك العهد، بأن تقرأ كل قبيلة منها في الحرف الذي اعتادته في لهجتها. وهذا هو ما يهمنا في موضوعنا.