خير البشر صلى الله عليه وسلم بمسجد الضرار مأوى الأشرار، حينما أمر بأن يسعر بالنار، وجعل مكانه كناسة، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عن ربيعة بن زكاء قال: نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى زرارة، فقال: «ما هذه القرية؟» قالوا: قرية تدعى زرارة، يلحم فيها، تباع فيها الخمر، فقال: «أين الطريق إليها؟» فقالوا: باب الجسر، فقال قائل: يا أمير المؤمنين، نأخذ لك سفينة تجوز مكانك، قال: «تلك سخرة، ولا حاجة لنا في السخرة، انطلقوا بنا إلى باب الجسر» ، فقام يمشي حتى أتاها، فقال: «علي بالنيران، أضرموها فيها فإن الخبيث يأكل بعضه بعضًا» ، قال: فاحترقت من غربيها حتى بلغت بستان خواستا بن جبرونا.
ولئن كانت الخمر -وهي خبيثة من الخبائث- تفعل فعلها في العقول لوقت عارض ثم تذهب وتغيب، فإن ما تفعله أمثال هذه الصروح من غرس أفكار ساقطة، ونشر رذائل هابطة، وتزيين باطلٍ قبيح، ونفث سموم قاتلة، وبثِّ تصورات سافلة، لهو أشد وأنكى على الأمة كما هو مشاهدٌ؛ وذلك لطول بقائه وكثرة توارثه وسرعة انتشاره ودواعي تلقفه، واعتبِر بكتب الفلاسفة التي تنافس الناس في ترجمتها فلم تزل مصائبها تترى على الدين كله، وصارت علومه بسببها أعسر من العسير وأرق من القطمير.
فتربت يدا من سعرها بنارٍ تأجَّجُ، وتبت يدا مَن بناها وتب، ولا يهولنك ما تراه فيها من الزينة الباهرة، والصالات الفاخرة، وأنواع الأجهزة والتقنيات، وحسن التقاسيم والإدارة، فما يسخط اللهَ هو هو ولو كان عجلًا من ذهب له خوار، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر على قلوبكم وأعمالكم، وقد سمى ما بناه المنافقون مسجدًا ومع ذلك أمر رسولُه صلى الله عليه وسلم بهدمه، ونهاه ربه عن القيام فيه فقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة/107، 108]
وما ضر أمتَنا إلا الاغترار بالمظاهر والوقوف عند الظواهر من غير نظر إلى الحقائق حتى راج بينها الباطل الأسود، واستشرى الضلال الأنكد، وتلقفت أنواع السموم تلعقها وهي تحسب أنها خالص الشهد، فدُمِّرت العقائد، ومسخت الأخلاق، وانتشرت الرذائل، وماتت القلوب، وانحرفت الأفكار، ووقر الأشرار، وأهين الأبرار، وليعتبر المعتبر بالجامعة الأمريكية في بيروت وأختها في القاهرة ونظائرهما والتي لم يزل يتدفق منها حشود عارمة من الزنادقة