كان إنقاذا من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها. ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشيء له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.
إن الإنسان لا يعلم. والله وحده يعلم. فماذا على الإنسان لو يستسلم
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية. لتؤمن وتسلم وتستلم في أمر الغيب المخبوء , بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف
*- أن الرحلة في طلب العلم من صفات العقلاء. فموسى - عليه السلام - وهو من أولى العزم من الرسل، تجشم المشاق والمتاعب لكى يلتقى بالرجل الصالح؛ لينتفع بعلمه، وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله - تعالى - حكاية عنه: {لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية: في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح: وحصلوا على السعى الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام. وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام.
قال البخارى: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث. [1]
*-"فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا"وكلمة"مجمع بينهما"حار فيه كثير من المفسرين فمنهم من جعله الأرض الشاسعة بين بحر قزوين وخليج فارس!، ومنهم من قال: إنه بين خليج الإسكندرون وبحر إيجة! ومنهم من ذكر أنها الأرض بين بحر غزة وخليج العقبة! وقد ظنوا بكلمة"البحرين"المياه المالحة، فتاهوا في أقوالهم ...
إنه ليس من الممكن أن يلتقي أحد بمن يريد على مساحات ضخمة شاسعة تبلغ آلاف الكيلومترات تضيع فيها الجيوش والأمم!! وهل من المعقول أن يُضْرَبَ موعدٌ لرجلين في صحراء سيناء الواسعة الشاسعة، أو أن يشد موسى الرحال إلى إيران، أو
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2743)