أسيا الوسطى وهو في فلسطين؟! وقد غاب عن كثير منهم أن البحر يطلق على الماء المالح والماء الحلو في قوله تعالى:" {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} (53) سورة الفرقان"والنهر يصب في البحر، فهو مجمعهما. أي: في قطعة من الأرض لا تتجاوز عشرات الأمتار، قريبة من مقام موسى عليه السلام يقطعها إن جدّ السيرَ بساعات قليلة أو ببعض يوم. وسياق الحديث يدل على ذلك. وهل يجوز لموسى عليه السلام أن يدع قومه - بني إسرائيل - أيامًا وشهورًا وهم على ما هم عليه من ضعف الإيمان وشوائب العقيدة، ويلتقي رجلًا مدة ليست باليسيرة، قد تطول أيامًا وشهورًا أيضًا فيعود ليجدهم قد تاهوا في الضلالة وهو العالم بشؤونهم الحريص على هدايتهم؟!
*- جواز إخبار الإِنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية، كالجوع والعطش والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَبًا} ورد عليه فتاه بقوله: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ. .} وفي هذا الرد - أيضا - من الأدب ما فيه، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان، وإن كان الكل بقضاء الله - تعالى - وقدره.
*- الإنسان ضعيف على الرغم من جلده في كثير من أموره، ولو كان من أولي العزم.
وأول دليل على ذلك أنّ موسى عليه السلام أصرَّ على لقاء الرجل ولو طوى الأرض في سبيل هذا الهدف. لكنه إذ شعر بالجوع بعد السير الطويل واجتياز مكان اللقاء دون أن ينتبها إليه قال لفتاه"آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَبًا"وكان غداؤُه السمكة المشوية التي تحركت بعد أن عادت إليها الروح بإذن الله تعالى حين استلقى نائمًا على الصخرة التي كان من المفروض أن يلتقي صاحبه عليها وغابت في شقوقها عائدة إلى الماء بقدرة خالقها وبارئها الذي يعيد الخلق كما بدأه وقتما يشاء.
والدليل الثاني أن النسيان ضعف يضيّع على الإنسان كثيرًا مما خطط ودبّر. فقد نام موسى عليه السلام على الصخرة حين سرب الحوت إلى الماء ولم يكن الفتى نائمًا فرأى بأم عينه الأمر الغريب، ولم يشأ أن يوقظ نبيه الكريم احترامًا وتقديرًا ولسوف يخبره حين يستيقظ.