لرؤية أمه، فهيأن له المكان وتسترن بملاءاتهن، فوقف إلى جانب سريرها بقامته النحيلة
الفارهه ووجهه الباسم المنهك وعينه التي يلمع فيها الدمع المتجمد، وتبادل معها حديثًا خافتًا ثم
ضحك عندما كلمته، ثم كلمها قلي ً لا ودعى لها ثم إنصرف.
لقد إخبرنى حقانى فيما بعد عن هذا الحديث الأخير بينهما، ومازال من وقتها محفورًا في قلبى
بسكين الألم، مثيرًا في روحى إعجابًا ودهشة. قال لى حقانى: لقد وجدت أمى تبكى، فقلت
لها مواسيًا: يا أمى أتخافين الموت وهو علينا حق؟ تجلدى وأذكرى الله كثيرًا وإستغفريه.
فردت عليه وهى تبكى: يابنى أنا لا أبكى خوفًا من الموت فهو حق علينا، ولكننى أبكى
لأننى كنت أتمنى أن أطمئن على مصير أفغانستان قبل أن أموت.
فضحكت لقولها وقلت لها: إطمئنى يا أمى فالله لن يضيع جهادنا ودماء الشهداء، وإهتمى
بنفسك الآن وأذكرى الله واستغفريه.
لقد أدهشتنى تلك الأم وزادتنى ثقه بالنصر في معركة أفغانستان بل ثقة في مصير الإسلام فى
أفغانستان، وأن تلك الأرض وشعبها سيظلان قلعة إسلامية في سقف العالم إلى قيام الساعة.
فالإسلام في مأمن في مثل هذه الأرض التى تنبت فيها نساء من أمثال هذه (الأم الكبيرة) تلك
الأم التى تستطيع أن تقدم للإسلام رجا ً لا أمثال حقانى وإسماعيل وإبراهيم وخليل، رجا ً لا
يعدلون العالم كله إيمانًا وشجاعة وإقدامًا.
هذا المزيج الرائع من البشر والإيمان والأرض يجعل أفغانستان دومًا في ذروة الإنسانية،
والمحضن الأقوى للإسلام على ظهر الأرض وفوق سقف العالم.
مع الظلام أعادوا زوجتى الى البيت كى تستريح ولكنهم إستدعوها مرة أخرى في الصباح
الباكر (من يوم 30 أغسطس) لحضور جنازة (الأم الكبيرة) التى توفت أثناء الليل.
وفى بيت العائلة الكبير إستمرت (وفا) فى أداء دورها الذى إستمر لأيام طويلة من الحزن،
كقوة"إطفاء"لإخماد محاولات النواح أو الندب. ولم تواجه هذه المرة صعوبات كبيرة، فقد
إنهدت النساء من كثرة البكاء وعم الرجال والنساء شعور متجدد باليتم بعد فقد (الأم الكبيرة) .
حتى الأطفال توقفوا عن شقاواتهم المعتادة، وقد إتسعت حدقات أعينهم البريئة وهم غير
مصدقين أنهم فقدوا (الأم الكبيرة) ، التى لم تكن لتسهوا عن رعايتهم حتى لو سهت الأمهات
وسهي الآباء أو تشاغلوا.