لكن صارت عادة كثير من المتأخرين ادعاء النسخ في الأخبار التي تخالف مذهبهم وقد اشتهر به الحنفية من بين المذاهب.
وفي مثل هذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: «وقد اتخذ كثير من الناس دعوى النسخ والإجماع سلّما إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بالهيّن ولا تترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخ إلا أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته الأمة وحفظته. إذ محال على الأمة أن تضيّع الناسخ الذي يلزمها وتحفظ المنسوخ الذي قد بطل العمل به ولم يبق من الدين. وكثير من المقلّدة المتعصبين إذا رأوا حديثا يخالف مذهبهم يتلقّونه بالتأويل وحملَه على خلاف ظاهره ما وجد إليه سبيلا، فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه. فإن رأوا من الخلاف ما لا يمكنهم معه دعوى الإجماع فزعوا إلى القول بأنه منسوخ.
وليست هذه طريق أئمة الإسلام بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذه الطريق وأنهم إذا وجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا نسخ، والشافعي وأحمد من أعظم الناس إنكار لذلك» [1] .
ويقول رحمه الله أيضا: «والمتأخرون كلّما استبعدوا شيئا، قالوا: منسوخ ومتروك العمل به» [2] .
لا ريب في أنّ هؤلاء الحنفية من هؤلاء المتأخرين فمسلك التوربشتي والسندي وغيرهما من متأخري الحنفية على هذه القاعدة الباطلة التي حذّر الأئمة منها ومال إليها المردود عليه مع الهوى الظاهر والاختزال المفضوح في سوق الأدلّة والاستدلال.
وأما الثاني؛ فضعيف أيضا لأن الأصل في الأحكام العموم وعدم التخصيص ومن ادّعى خلافه فهو مطالب بالدليل ولا يثبت إلا به كالنسخ لمخالفته لأصل التشريع، علما بأنه قد تقرر: أن ما ثبت للنبيّ صلى الله عليه وسلم يثبت تبعا للأمه، وكذلك ما ثبت للذكور يثبت تبعا للإناث، إلا بدليل التخصيص، والأصل عدمه مع أن لا ضرورة تحوجنا إليه.
وأما الثالث: فيقال فيه ما قيل في الثاني، لأن مدّعي التخصيص مدّع لخلاف الأصل، فلا بدّ من دّليل واضح وهو معدوم، إنما هي احتمالات لا تقارن بالنصوص الصريحة في الباب كما سيأتي.
نعم، التعليل بالمناط المذكور، يقتضي عدم اختصاص الفتك بهؤلاء القوم، لما فيه من عموم العلة.
(1) كتاب الصلاة: (ص:221 - 222) .
(2) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (2/ 696 - 697) .