المبحث الثاني:
فهم خاطئ حول الحديث:
استدل بعض أهل الجفاء والإرجاء بهذا الحديث على تحريم اغتيال أهل الحرب المحتلين ولما اغتصّ بجريعة الذقن أعني أدلة الاغتيال والفتك لجأ إلى الفرار ولاذ بالنسخ [1] .
وقديما قيل: الغريق يتعلّق بكل عود، والذي أرداه في هذه الهوّة السحيقة مع الهوى الظاهر من فلتات اللسان وشواهد الحال: ما رآه في بعض كتب الحنفية كتقريرات التوربشتي، والمقلدين له كعليّ القارئ والسندي رحمهم الله حيث قال قال التوربشتي في التوفيق بين أدلة الفتك بأهل الحرب وبين خبر النهي عن الفتك: «فإن قيل: قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن عتيك الأوسي في نفر إلى أبي رافع وعبد الله بن أنيس الجهني إلى سفيان بن خالد، فكيف التوفيق بين هذا الحديث وبين تلك القضايا التي أمر بها؟
قلنا: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها وهو الأظهر، لأن أولها كانت في السنة الثالثة والثانية في الرابعة والثالثة بعد الخندق في الخامسة، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السابعة.
ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أيّد به من العصمة.
ويحتمل أن تكون تلك القضايا كانت بأمر سماوي لما ظهر من المفتوكين من الغدر برسول الله والتعرّض له بما لا يجوز ذكره من القول والمبالغة في الأذية والتحريش عليه» [2] .
1.القول بنسخ أحاديث الاغتيال بالنهي عن الفتك وهو الأظهر عنده.
2.أن الجواز خاصّ بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم محرّم على غيره لفارق العصمة.
3.تخصيص الفتك بالمقتولين لما تميّزوا به من الأذية البالغة فلا يلتحق بهم غيرهم.
لا يخفى على منصف متجرّد عن الأهواء ضعف هذه الأوجه كلها؛ أما الأول: فلأنّ الأصل الإعمال وعدم الإهمال والإحكام واللزوم، والنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا حاجة تلجئ إليه.
(1) .كما هو مسجل في شريط بعنوان (مسائل متنوعة) لأحد المنهزمين من دعاة الربيعية المدخلية في الصومال.
(2) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 115) للملا علي القارئ ومنه أخذ السندي في حاشية المسند (1/ 288) .