فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 74

المطلب الأول: حقيقة التعارض والتناقض

قبل الخوض في الإجابة عن شبهة المخذّل أقدّم بعض القواعد التي تنير الطريق لقارئ النقض، كما تعرّي مزاعمه وتلبيساته المكشوفة وتكشف عن الهوى الفاضح والرأي الطالح أو عن الجهل المركّب على الأقل فأقول:

1.إنّ التعارض لا يكون بين دليلين فطعيين إطلاقا سواء كانا سمعيين أو عقليين لأن محل التعارض في الأدلة الظنية، ومع ذلك فإن التعارض الحقيقيّ بين الأدلة الشرعية منتفٍ عند جماهير الأصوليين والمحدثين والفقهاء؛ وإنّما هو في ظاهر الأمر ونظر المجتهد.

وأما في حقيقة الأمر فليس هناك تعارض بين النصوص، وإلا، فكيف يمكن أن يثبت عن الشارع دليلان ينفي أحدهما الآخر، ولا يكون بينهما وجه جمع أو توفيق على وجه؟

هذا سفه وتضارب، ينزّه عنه كلام الحكماء من الخلق فضلا عن كلام الله وأخبار رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. [1]

(1) عرّف الأصوليون وغيرهم التعارض بتعاريف كثيرة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتناقض هو أن يكون أحد الدليلين يناقض مدلول الآخر: إما بأن ينفي أحدهما عين ما يثبته الآخر وهذا هو التناقض الخاص الذي بذكره أهل الكلام والمنطق وهو اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى.

وأما التناقض المطلق فهو: أن يكون موجب أحد الدليلين ينافي موجب الآخر: إما بنفسه وإما بلازمه مثل أن ينفي أحدهما لازم الآخر أو يثبت ملزومه فإن انتقاء لازم الشيء يقتضي انتفاءه وثبوت ملزومه يقتضي ثبوته.

ومن هذا الباب الحكم على الشيئين المتماثلين من كل وجه مؤثر في الحكم بحكمين مختلفين فإن هذا تناقض أيضا إذ حكم الشيء حكم مثله فإذا حكم على مثله بنقيض حكمه كان كما لو حكم عليه بنقيض حكمه. وهذا التناقض العام هو الاختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه بقوله عز و جل: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهو الاختلاف الذي وصف الله به قول الكفار في قوله تعالى {إنكم لفي قول مختلف. يؤفك عنه من أفك} .

وضد هذا هو التشابه العام الذي وصف الله به القرآن في قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} وهذا ليس هو التشابه الخاص الذي وصف الله تعالى به القرآن في قوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} فإن ذلك التشابه العام يراد به التناسب والتصادق والائتلاف.

وضده: الاختلاف الذي هو التناقض والتعارض فالأدلة الدالة على العلم لا يجوز أن تكون متناقضة متعارضة وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء».درء التعارض (1/ 273 - 274) .

خلاصة التعاريف: «تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على نقيض ما يدل عليه الآخر، كأن يدل أحدهما على الجواز أو الإثبات، والآخر على المنع أو النفي. فدليل الجواز أو الإثبات يمنع التحريم أو النفي، ودليل المنع أو النفي يمنع الجواز أو الإثبات فيصبح كل دليل مقابلا للآخر، أو معارضا له، وممانعا له» .

وقال بعضهم: تقابل القضيّتين بالسلب والإيجاب مع اتفاقهما في الجزء والكل والقوة والفعل والشرط والزمان والمكان والإضافة. فمتى اختلّ شيئ من ذلك أمكن الجمع ولم يلزم التناقض. [الرسالة ص 342، وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام (3/ 89 - 90) ، وشرح الكوكب المنير (4/ 605) والانتصارات الإسلامية في كشف الشبه النصرانية (1/ 393) والتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية:1/ 23]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت