فالتعدّد، وهو وجود حجتين فأكثر، فلا تعارض بين فقرات دليل واحد، لفوات ركن التعدد، ولهذا كان من عباراتهم في هذا السياق: «تقابل الدليلين، وتعادل الحجّتين، وتناقض القضيّتين» .
دفع التعارض الظاهري بين الدليلين الظنيين فيه مذاهب:
المذهب الأول: ترك الحديثين إذا كان أحدهما حاظرا والآخر مبيحا أو كان أحدهما موجبا والآخر نافيا فيرجع إلى ما كان قبلهما وخلاصة هذا المذهب: إذا تعارض الخبران سقطا وإليه ذهب بعض الظاهرية، وهو مذهب باطل عند أهل العلم.
المذهب الثاني: دفع التعارض بالجمع أولا فإن تعذر فبالنسخ وإن تعذر فبالترجيح بالوجوه المعروفة فإن تعذر فالتوقف، وهذا مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء والمحدثين وهو الراجح عند المحققين من أهل العلم.
المذهب الثالث: القول بالجمع ثم الترجيح ثم النسخ ثم التوقف وهو رأي بعض أهل العلم.
المذهب الرابع: ذهب جمهور الأحناف إلى تقديم النسخ ثم الترجيح ثم الجمع ثم التساقط.
وفي الباب مذاهب أخرى.
وبالجملة ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب دفع التعارض بين الأدلة بالجمع أولا، ثم الترجيح، ثم النسخ، ثم التوقف.
وخالف الحنفية، فقالوا: بالنسخ، إن علم التاريخ، وإلا فالترجيح، فالجمع إن أمكن، وإلا تساقط الدليلان، وانتقل إلى الدليل الذي هو أدنى من المتعارضين في الرتبة.
وجنح كثير من الحنفية المتقدمين وأهل الحديث منهم إلى رأي الجمهور وهو الصواب لأوجه كثيرة ليس هذا محل بسطها؛ محصّلها: أن الأمر إذا دار بين نسخ الحكم وبقائه حمل على البقاء دونه إلا لدليل راجح، وهي قاعدة قررها الأصوليون في مؤلفاتهم.
أما الجمع، فلأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، لأن الإعمال فيهما الأصل، وعدم النسخ، ومدعي ذلك مدّعٍ خلاف الأصل، وعليه الدليل على خلافه والجواب عن المعارض أيضا.