ومنه قوله عليه السلام: «أعفّ الناس قتلة أهل الإيمان» [1] .
وأما إقامة الحجة على وجه الإجمال فعلى طريق السبر مثل أن يقال:
بعد ثبوت الحديث رواية بقي الكلام عليه دراية؛ وبناءً عليه فالحديث إما أن يدلّ على شيء أولا، والثاني باطل بالاتفاق لأنه عبث وتعطيل ومخالفة للأصل ينزّه الشّرع عنه، وعلى الأول؛ فإمّا أن يدلّ على تحريم جميع أنواع القتل حملا للمشترك على جميع معانيه لعدم التنافي، أو على أحدها؛ فالأول باطل بالاتفاق لفساده عقلا وشرعا إذ لا يمكن القول بتحريم جميع أنواع القتل بل هو كفر وخروج من الملة.
وعلى الثاني؛ فأما أن يكون أحد المعاني معيّنا أو مبهما؛ والثاني باطل لأن الخصم لم يحمل على جميع معانيه ولم يتوقّف أيضا، بل حمل على أحد المعاني كما سلف.
وعلى الأول؛ فإما أن يكون تعيين أحد معاني الفتك بدليل أو لا؟ والثاني باطل بلا خلاف بين أهل العلم، فأما الأول: وهو الحمل على أحدها بدليل فمعدوم لأنه الخصم لم يشر إليه ولم يسعف بشيء، والواقع أنه ركب رأسه وتحكّم تقليدا لغيره فقال: الفتك الاغتيال لا غير فأبطل وخالف أهل اللسان والشرع وانقاد للنفس الأمارة بالسوء، ومن ثمّ لا تقوم له قائمة على أي الوجوه التي خرّج عليها وبالله تعالى التوفيق.
اختار الجامي المدخلي مقلِّدًا غيره تفسير الفتك بالاغتيال الدالّ على تحريم قتل الكفرة المعتدين غيلة، ولما تصوّر التعارض بين الأدلة الكثيرة في الباب وبين الفهم السطحي للفتك الصادر عن قلب منكوس
(1) رواه الإمام أحمد في المسند (3728) وابن الجارود في المنتقى (840) وابن حبان في صحيحه (5994) وأبو داود (2666) وابن ماجة (2682) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود، وإسناده حسن، فإن هُنيّ بن نويرة روى عنه اثنان، ووثقه العجلى وابن حبان في ثقاته وفي صحيحه وأخرج له ابن الجارود، وقال أبوداود: «كان من العباد» ، ومثل هذا يكفيه توثيق ابن حبان فكيف إذا سبق؟.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: «إن الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم لا يخلو: إما أن يكون الواحد منهم لم يرو عنه إلا راو واحد أو روى عنه اثنان ثقتان وأكثر بحيث ارتفعت جهالة عينه. فإن كان روى عنه اثنان فأكثر ووثقه ابن حبان ولم نجد لغيره فيه جرحا فهو ممن يحتج به» .ثم ذكر الأقسام الباقية رحمه الله (أجوبة الحافظ العراقي على أسئلة الحافظ ابن حجر ص 141)
لكن أعل بالوقف وعلى أي حال فالحديث صحّ عن ابن مسعود موقوفا عند عبدا لرزاق ومن طريقه الطبراني.
انظر علل الدارقطني (5/ 141 - 142) .