هرع إلى القول بالنسخ! ولهذا فلا بدّ من سبر معاني الفتك بالدّليل قبل الكلام عن شبهة النسخ فيقال:
1.يحتمل أن يكون معنى الحديث: الإيمان قيّد القتل لا يقتل مؤمن لأن من معاني الفتك القتل. وهذا المعنى باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة فإن المؤمن يقتل من يستحق القتل من الكفرة والمرتدين وقطاع الطرق والخوارج والبغاة ونحوهم ويتقرب به إلى الله سبحانه ولا حاجة إلى سرد الأدلة في ذلك.
وتردّه أيضا قواعد تفسير النصوص وحملها على الوجوه والمحامل لكن يمكن القول بأن الخبر يتعلق بالدماء المعصومة فيكون الحديث دليلا آخر للزجر عن إراقة الدماء المعصومة ولا بأس في توارد الأدلة على معنى واحد. ثم بعد ذلك كلّه فهو حمل للمشترك على أحد المعاني من غير دليل.
2.ويحتمل أن يكون معنى الخبر: الإيمان قيّد القتل لا يقتل مؤمن على غرّة جهارا، فإن من معاني الفتك: القتل مجاهرة على غرة وهذا المعنى باطل لمصادمتة قاعدة الجهاد الشرعية والتي هي مخادعة الكفار لا مجابهتهم وهجومهم على غرة ما أمكن ذلك.
ولا يمكن حمل الحديث عليه أيضا عملا بما حرّره أهل التحقيق من قاعدة حمل النصوص على المعاني الشرعية.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إن حمل كلام الله ورسوله على معنى من المعاني لا بد فيه من أمرين: أحدهما: أن يكون ذلك المعنى حقا في دين الإسلام يصلح إخبار الرسول عنه. الثاني: أن يكون قد دلّ عليه بالنص لفظ يدل عليه دلالة لفظ على معناه» . [1] ،
والقاعدة التفسيرية: تأويل النصوص كتابا وسنة بما يخالف تأويل السلف الصالح ويكون خارجا من أقوالهم، لأنه يتضمن أن تكون الأمة قبل المتأوّل كلّها جاهلة بمراد الله ضالة عن معرفته وانقراض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية والحديث [2] .
(1) بغية المرتاد ص 357.
(2) العدة في أصول الفقه (4/ 1113) وجامع البيان لابن جرير الطبري (29/ 33) و (15/ 188) والمسوّدة في أصول الفقه لآل تيمية ص: (315،329) .ومجموع الفتاوى: (13/ 59 - 60) ، و (15/ 95) ، وشرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 89) ،وإرشاد الفحول ص 157.