قال العلامة ابن عبد الهادي رحمه الله (744 ه) : «لا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيّنوه للأمة فإن هذا يتضمّن أنهم جهلوا الحقّ في هذا وضلّوا عنه واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه» [1] .
فإن قيل: إن الفظ يدل عليه دلالة اللفظ على معناه.
ردّ بأن اللفظ دلّ عليه دلالة المشترك على معانيه أو التواطئ والتشكيك والنزاع في تعيين أحد المحامل للمراد وليس الكلام في دلالة اللفظ الوضعية.
هذا ولا يمكن أن يكون هذا المعنى أيضا حقّا في دين الإسلام يصلح إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، وإلا فكيف يحضّ الشرع على مكائد الحرب ويقرّر في أكثر من حديث مشهور أن: «الحرب خدعة» ثم ينهى عن فتك أهل الحرب جهارا على غرة فظهر بهذا الوجوه بطلان الحمل على هذا الوجه.
3.ويحتمل أن يكون معنى الحديث: الإيمان قيّد القتل السرّي لا يقتل مؤمن غيلة وهذا المعنى لا ضرورة إليه مع أنه يناقض قاعدة الاحتيال والمكيدة الحربية التي تعدّ من أقوى القواعد الجهادية لقلة مخاطرها وخفة مؤنتها العسكرية والاقتصادية.
ومع هذا فهو باطل أيضا من وجوه:
الأول: إنه استدلال بصورة النزاع على محلّ النزاع وهو ممنوع باتفاق النظار والأصوليين ومن خالف الدليل ضلّ السبيل ومن حرم الأصول حرم الوصول.
الثاني: أنّه حمل للمشترك على أحد المعنيين تحكّما بدون دليل وهو باطل إجماعا.
الثالث: أنه يلزم منه دعوى النسخ لقاعدة كلية في الجهاد والحرب بصورة جزئية محتملة، وبناء قاعدة كلية على دليل جزئي كما فعله المعترض المنهزم وبطلان هذا لا يخفى على محصّل.
الرابع: اختلف أهل العلم في العمل بخبر الواحد إذا جاء معارضا لقاعدة من قواعد الشرع؛ فقال الإمام أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وأما الإمام مالك فتردّد في المسألة ومشهور قوله المعوّل عليه: أن الخبر إن عضدته قاعدة أخرى عمل به، وإلا تركه.
وقال الشافعي: يجوز العمل به استثناء من القاعدة كتخصيص العموم، فكيف العمل بصورة مختلفة في دلالة اللفظ عليها إذا جاءت مخالفة لقواعد الشرع؟.
(1) الصارم المنكي في الرد على السبكي ص:318.