الخامس: يلزم منه اختلاف معاني النصوص، والأصل اتحاد المعاني وإن اختلفت المباني، واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء التناسخ فيها والاختلاف.
السادس: ليس كل ما ثبت في اللغة صحّ حمل النصوص عليه، وهو ما يرومه المعترض المنهزم وسيأتي في المباحث الآتية ما هو كالشرح لهذه الأوجه إن شاء الله.
4.ويحتمل أن يكون المعنى: الإيمان قيّد (منع) الغدر لا يغدر مؤمن، وهذ المعنى هو الصواب في حمل الحديث عليه ولا يصح سواه إطلاقا.
وتقريره من وجوه:
الأول: أن هذا المعنى (الغدر) أقرب إلى أصل اشتقاق الكلمة وتصريف الكلمة وقد تقرر عند أهل العلم أن القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل الاشتقاق أولى بتفسير النصوص به وقد علم أن الفتك في الأصل يدل على الفساد وعدم والصلاح.
قال أحمد بن فارس: «الفاء والتاء والكاف، كلمة تدل على خلاف النسك والصلاح، من ذلك: الفتك وهو الغدر، وهو الفِتْك أيضا، يقال: فتك به اغتاله، وفي الحديث: «الإيمان قيد الفتك» [1] .
والفتك: ركوب النفس على تهمّ به وما الفتك إلا أن تهمّ فتفعلا.
الثاني: أن تفسير الفتك بالغدر مشهور عند أهل اللسان وأهل الشرع بخلاف الاغتيال فإنه غير مشهور بل فرّق بينهما جماعة، وحمل كلام الله وكلام رسوله على المشهور من المعاني أولى إن لم يمنع.
الثالث: أن النهي عن الغدر قد استفاض في الأخبار لا سيما في أبواب السير والمغازي، وغلبته دليل على عدم خروج الفتك في الخبر من الغدر المنهي عنه عند امتناع الأوجه الأخرى بالدليل.
الرابع: تفسير الفتك بالغدر أوفق للنصوص وأقرب إلى اتحاد المعاني بخلاف تفسير المدخلي المهزوز المتهالك ذلك؛ أن الأوجه الأخرى بناء على تأويله تبقى على الحلّ والإباحة بالنسبة لخبر الفتك وهي: قتل الحربي على وجه الغرة والغفلة جهارا. قتله مجاهرة غدرا. ركوب المرء على رأسه من غير ضابط!
فإن قال: لا يجوز تأويل الفتك شرعا على القتل جهارا على غرّة لأنه باطل فقد أجمع العلماء على جوازه، فإنّ الحرب خدعة، وقد أغار صلّى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارّون، ومن هديه عليه السلام التبييت، والإصباح على العدوّ وهم غارّون.
وكذلك الثاني، وهو القتل بعد الأمان لا يبقى في حيز المباح لأن الغدر لم يُبَح في جاهلية ولا إسلام.
(1) العين للخليل (3/ 300) ، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ص 834، ومجمل اللغة له ص 514