وللسائل أن يقول: لماذا لم يحمل المرجف المثبّط الفتك على تحريم القتل مطلقا مجاهرة أو غفلة؟ وعلى ركوب الأمور العظام من غير قيد ولا ضابط؟ وعلى القتل بعد التأمين غدرا حملا للمشترك على جميع معانيه؟ وما الدليل الذي أوجب تفسير الفتك بالمعنى غير الأشهر وهو القتل غيلة دون الأوجه الأخرى؟ مع أن بعضها أقوى من التأويل المرذول. وما المانع من حمله على القتل غدرا؟ أو على ركوب المرء على ما تمليه عليه نفسه بدون قيد وحدّ وهما أولى من تأويله؟ ليس إلا الهوى وركوب المرء على رأسه، والجهل المفضوح. وما الدليل على تعيين أحد المحامل (القتل غيلة) للإرادة في خبر الفتك؟
ومما آلمني وضقت به ذرعا، ولم أستطع له سمعا: طلب المباهلة على سلامة التفسير الركيك والتأويل القبيح كما أخبرني بعض الأثبات الذين حضروا تلك المحاضرة المضلّة!
وهذا ونحوه مما يدلّ على أن المتسنّن المتبع للرأي المخالف للسنة أضرّ على الأمة من أهل الأهواء التي ظهرت مخالفتهم للسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن فتيا من يفتي في الحلال والحرام برأي يخالف السنة أضرّ عليهم من أهل الأهواء. وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردّها واستفاضت. وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد ولا يميّز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة وقد ينتصب للفتيا والقضاء من يخالفها كثير» .بيان الدليل (ص:235 - 236)
لا ريب أنّ الإسلام حرّم الفتك بمعنى الغدر والخيانة، وقيّد غوائل النفس وتصرّفاتها بضوابط الشرع الحنيف. جاء في حديث أنس بسند حسن: «لا يفتك مؤمن إن الله قيّد الفتك بالإيمان» . أي قيّد القتل بالإيمان، فلا يقتل المؤمن إلا بأمر شرعي، ولا يخضع ذلك لهوى نفسه وإنما ذلك إلى الشّرع المنزّل خلافا لأهل الجاهلية «وما الفتك إلا أن تهمّ فتفعلا» .
ولو حُمِل على القتل مطلقا فيؤوّل على وجه يمكن قبوله شرعا؛ ذلك: أنه لا ريب أن الدِّين الإسلامي هذّب القتل وقيّده بآدابه السامية، فلا محلّ لمزايدات الزنادقة ولا لتحريفات وتخرّصات المغرورين.
ومنه قوله عليه السلام: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته» [1] .
(1) رواه مسلم من حديث شداد بن أوس الثقفي.