فمقصوده بيان الحالة التي تجب فيها النفقة، وهي حالة اليسار وليس مقصوده أن كل قريب تجب له النفقة، لأنه لم يتوجّه لهذا العموم، ولا لهذا الحكم بباله. ونظائره كثيرة في عرف الاستعمال حتى أن من أخذ يقول لهذا المتكلم: أنت أثبت النفقة لكل قريب، ينكر ذلك عليه ويقول: إن كلامي لم يكن في هذه السياق ولا لهذا القصد. وهي قاعدة حسنة اعتمد عليها الشافعي وقوله في هذا المواطن هو الظاهر» [1] .
سبق في البحث أن الفتك في الاستعمال اللغوي أن تهم بالشيء فتركبه وإن كان قتلا كما قال: [وما الفتك إلا أن تهمّ فتفعلا] وأن الفاتك الذي يرتكب ما تدعوه إليه نفسه من الجنايات والهاجم على الأمور العظام وأنه في الأصل يدل على خلاف النسك والصلاح كما قال ابن فارس بن زكريا اللغوي رحمه الله: «الفاء والتاء والكاف، كلمة تدل على خلاف النسك والصلاح، من ذلك: الفتك وهو الغدر .. » .
وتحرر أن أن للفتك معنيين عام وخاص؛ فأما العام الركوب لما همّ به المرء من الفساد سواء كان قتلا أولا، والخاص: القتل بأنواعه المذكورة فهو بهذا يكون من باب الألفاظ المتواطئة وهو من الظاهر فيحمل على أظهر المعاني فيكون معنى الحديث: أن الإيمان قيّد إرادات المؤمنين وما تدعو إليه الأنفس من القتل والجنايات بحدود الشرع والدين الحنيف فلا يركب المؤمن رأسه في باب الجنايات وغيرها بل يتقيّد بدينه ويمنعه إيمانه من غوائل النفس وعادات الجاهلية وهذا المعنى هو الظاهر للحديث، ومن ثمّ فلا حاجة إلى النسخ والتخصيص والتكلف الظاهر.
ولأجل هذا استنكر الإمام شرف الدين الطيبي رحمه الله حمل الحديث على الغدر بأهل الحرب، ثم القول بالنسخ، أو التخصيص فقال رحمه الله: «الذهاب إلى النسخ، والتخصيص بعيد، لأن الظاهر يقتضي أن تذكر الجملة الأولى بعد الأخرى، فإن التعليل مؤخر عن المعلّل، لكن قدمت اعتبارًا للرتبة وبيانًا لشرف الإيمان، وأن من خصائصه وخصائل أهل النصيحة لكل أحد حتى الكفار، كما ورد «الدين النصيحة»
فعلى من اتصف بصفة الإيمان أن يتحلّى بها ويجتنب عن صفة العتاة والمردة من الفتك.
(1) المصدر السابق (1/ 563) .ونحوه في «تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» للعلائي ص 400 - 401).وشرح الإلمام لابن دقيق العيد (1/ 129 - 132) .