استدل به الإمام أبو حنيفة رحمه الله على وجوب الزكاة في الخضروات تمسكّا بعموم الحديث فإن اللفظ عام في القليل والكثير.
وعدّه جمهور الشافعية والقرافي من باب التمسك بالعموم الضعيف فلا يحتج به في إيجاب العشر في الخضروات لأن المقصود منه بيان القدر المخرج لا بيان القدر المخرج منه وإن شئت قلت: إنما سيق لبيان الفصل بين العشر ونصف العشر، وبيان الجزء الواجب، لا بيان الواجب فيه. والقاعدة الأصولية المختلفة: أن الكلام إذ سيق لمعنى لا يكون حجة في غيره لأن المتكلم معرض عنه.
واعترض بعضهم فقال: لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا وهو إيجاب العشر في جميع ما سقت السماء لأن اللفظ عام فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم، لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل ولم يوجد فوجب التعميم في الواجب والواجب فيه.
أجاب شهاب الدين القرافي عن الاعتراض بقوله: «قول الشافعي رضي الله عنه هو المتجه، لأن قرينة كون الكلام سيق لبيان الجزء الواجب لا لبيان الواجب فيه دليل على اعتراض المتكلم عن الواجب فيه، وما المتكلم معرض عنه هو مثل غير المنطوق به وغير المنطوق به لا عموم فيه وكذلك ما أعرض المتكلم عنه ولم يتجه إليه فهذه القرينة دليل قوي على التخصيص، فوجب القول بسقوط الاستدلال به على التعميم»
وقال في موضع آخر: «يحتمل أن يريد وجوب الزكاة في كل شيء حتى الخصروات كما قاله أبوحنيفة، ويكون العموم مقصودا له عليه الصلاة والسلام لأنه نطق بلفظ دال عليه وهو صيغة (ما) ويحتمل أنه لم يقصده لأن القاعدة: أن اللفظ إذا سيق لبيان معنى لا يحتج به في غيره. فإن داعية المتكلم منصرفة لما توجه له دون الأمور التي تغايره، وهذا الكلام إنما سيق لبيان المقدار الواجب دون بيان الواجب فيه، فلا يحتج به على العموم في الواجب فيه وإذا تعارض الاحتمالان سقط الاستدلال به على وجوب الزكاة في الخضروات هذا في الأدلة العامة» [1] .
وفي موضع آخر: «منع الشافعي التمسك به على وجوب الزكاة في الخضروات كما قاله أبوحنيفة رضي الله عنهم أجمعين، وقال: إن الكلام إنما سيق لبيان الجزء الواجب لا لبيان الواجب فيه.
وهذه قاعدة: وهي أن الكلام إذا سيق لأجل معنى لا يكون حجة في غيره.
لأن العادة قاضية أن المتكلم يكون مقبلا على ذلك المعنى معرضا عن غيره وما كان المتكلم معرضا عنه لا يستدل بلفظه عليه فإنه كالمسكوت عنه فإذا قال القائل: نفقات الأقارب إنما تجب في اليسار
(1) العقد المنظوم في الخصوص والعموم (1/ 534) و (2/ 129 - 130)