فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 74

والقاعدة عند بعض أهل الأصول «أن الكلام إذا سيق لأجل معنى لا يكون حجة في غيره» والمقصود: بيان أن الحديث إنما سيق لتقبيح العادات الجاهلية في القتال والغدر والخيانة والتنويه على شرف الإيمان وما يتولد منه من الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة لا لبيان تحريم الاغتيال ولا لتحريم القتل لأن الإحالة على الجليّ من الدليل في الاستدلال أولى من الإحالة على الخفيّ.

وهذه القاعدة اعتبرها الإمام القرافي قاعدة أصولية استنباطية لا بدّ من مراعاتها في مسالك الاجتهاد وتقتضي النظر إلى قصد العموم بعد الوفاء بمقتضى الصيغة وذلك أن اللفظ العام وضعا تارة يظهر فيه قصد التعميم وتأسيس القواعد وتارة يظهر فيه أنه قصد به معنى غير عام فلا إشكال في العمل بمقتضى العموم في الأول، لكن هل يتمسك بعموم الثاني؟ فيه قولان للأصوليين.

والمقصود: أنه إذا كان هذا في ألفاظ العموم التي ظهر فيها عدم قصد التعميم فما بال المشترك الذي ظهر أنه سيق من أجل تقرير معنى آخر؟ أو المتواطئ الباقي على أصله

وهناك أمثلة للقاعدة، من ذلك قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} . وقوله: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} استدل به على أن العاصي ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كيف وهو متلبس به للمتبادر من ظاهر الآية بالنظرة الأولية.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يشترط في المُنْكِر أن يكون عدلا لأن النهي عن المنكر واجب، وترك ارتكاب المحرّم واجب، والإخلال بأحد الواجبين لا يمنع من وجوب الآخر، وأن الآية إنما سيقت لبيان الاستقباح في إنكار المنكر على الغير ونسيان النفس لا لعدم جواز الأمر بالبر عند التلبس بالمعصية.

قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: «أن الجمع بين الأمر بالبر ونسيان النفس، ورَد لبيان زيادة القبح وتعظيم ما ارتكبوه، لا أنه يشترط في الإنكار عدم نسيان الأنفس» [1] .

ومنه قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} .

منع الإمام الشافعي عمومه وان يتمسك به في زكاة الحلي، لأن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، بل المقصود: المدح والذم، وخالفه آخرون من أهل الأصول، فقال شهاب الدين القرافي منتصرا للشافعي: «وهي قاعدة حسنة اعتمد عليها الشافعي، وقوله في هذه المواطن هو الظاهر» .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» .

(1) شرح الإلمام بأحاديث الأحكام لابن دقيق العيد (2/ 137 - 138)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت