الزمخشري بينما جعل أبو عبيد هذا المعنى من الفتك بقوله: «وكذلك لو كمن في موضع ليلا أو نهارا فإذا وجد غرّة قتله .. فهذا معناه أن يقتله من غير أن يعطيه الأمان» .
ويحتمل أن يكون هذا اختلافا في النقل عن اللغة لأن أحد الأمرين أعم من الآخر فإن كان كذلك فيجب أن ينظر فيمن زاد على صاحبه فيؤخذ بقوله لأن الأخذ بالزائد متعين لكن قول الأزهري كالفيصل في الموضوع وأن العرف الاستعمالي أعم من العرف الوضعي: «أصل الفتك في اللغة ما ذكره أبو عبيد ثم جعلوا كل من هجم على الأمور العظام فاتكا» ، ولم يختلفوا في أن القتل على غرة جهارا من الفتك كما أن القتل سرًّا وخفية هو الغيلة.
ويحتمل أن يكون الفتك في الأصل متناولا لجميع تلك المعاني ثم خُصِّص منه القتل سرا بالعرف الخاص واصطلح عليه بالغيلة.
والمقصود: الإشارة إلى اختلاف بعض اللغويين في مفهوم الاغتيال وهل هو نوع من الفتك أو مخالف له مضمونا؟ فإن ثبت هذا يمكن أن يقال: لم يرد في الخبر ما يدل على النهي عن الاغتيال وقتل الغيلة فنبقى على الأصل.
هذا وتحرر في الأصول أن العرف الاستعمالي يقدم على الوضع اللغوي عند التعارض، وبناء عليه فالمنع من الفتك يعني المنع عن ركوب المرأ رأسه غير متقيد بضوابط الشرع الحنيف لا غير وهذا المعنى من صحيح القول وتؤيده القواعد الإسلامية كلها وإلا فلو قلنا: الفتك في القتل في المفهوم الشرعي هو القتل جهارا على غرة وغفلة لوقع التصادم بين هذا المعنى والقاعدة الشرعية الجهادية «الحرب خدعة» ومن هنا فسّر الفقهاء والمحدثون المنهيّ عنه من الفتك بالقتل بعد التأمين.
سبق أن «الفتك» لفظ شرعي والألفاظ الشرعية ما ورد في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحرّر عند أهل العلم: أن حمل كلام الله ورسوله على معنى من المعاني لا بد فيه من أمرين:
أحدهما: أن يكون ذلك المعنى حقا في دين الإسلام يصلح إخبار الرسول عنه.
الثاني: أن يكون قد دلّ عليه بالنص لفظ يدل عليه دلالة لفظ على معناه. [1]
(1) بغية المرتاد ص 357. وتنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (1/ 260) .