فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 74

وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: «الأحكام إذا ثبتت على المكلف، فادّعاء النسخ فيها لا يكون فيها إلا بأمر محقّق، لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقّق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقّق» [1] .

هذا، ومسائل الترجيح، والتوقف، ومسالك العلماء فيها، يراجع لها كتب الأصول فإن ما ذكر إشارة مقتضبة اقتضاها المقام وبالله تعالى التوفيق.

المطلب الرابع: ما ليس من طرق النسخ

تقرّر في الأصول: أن النسخ يحتاج إلى أربعة أمور: إلى نص أخر معارض، ثم يكون مع المعارضة مقاوما له، ثم يثبت تأخّره عنه، وأن يكون الناسخ شرعيّا؛ لأن رفع الأحكام الشرعية بحوادث البدع لا يجوز، لأنه يكون نسخا بالحوادث، ويفضي إلى رفع الشريعة رأسًا، ولا بد من تنافي الناسخ والمنسوخ وامتناع الاجتماع، وأن يتواردا على محل واحد على سبيل الممانعة [2] .

وتقرّر أيضا عند المحققين من أهل الأصول: أنه ليس من الطرق الصحيحة لمعرفة النسخ:

1.أن يقول الصحابي: كان الحكم كذا ثم نسخ، إذا لم يحدّد التاريخ، واكتفى بتعيين الناسخ والمنسوخ، لجواز أن يكون قاله اجتهادا فلا يلزم؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا يصار إليه مع تردّد فيه.

هذا قول الجمهور؛ قال العلامة محمد بن علي الموزعي رحمه الله: «إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة لم يقبل قوله حتى يبيّن الناسخ فينظر فيه .. والدليل عليه: أنه يجوز أن يكون قد اعتقد النسخ بطريق لا يوجب النسخ فلا يجوز أن يترك الحكم الثابت من غير نظر واستدلال» .

2.وكذلك الترتيب في المصحف، لأن ترتيب الآيات في المصحف، ليس كترتيبها في النزول.

3.وأن يكون أحد الراويين، أسلم بعد الآخر، لاحتمال أن يكون متأخر الإسلام قديم الرواية بالنسبة لحديث والعكس؛ لأنّ الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض، كما هو معروف [3] . و يعدّ من مراسيل الصحابة وهو حجة بإجماع من يعتد به.

(1) الموافقات للشاطبي (3/ 105 - 106)

(2) . زاد المعاد (2/ 187) بدائع الفوائد (3/ 42) إعلام الموقعين (2/ 300) البحر المحيط (6/ 109)

(3) . من ذلك ما صح عن البراء بن عازب رضي الله عنه: «ما كل ما نحدّثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدّثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رِعية الإبل» . وفي رواية: «ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا ولكنا لا نكذب» أخرجه الإمام في المسند (18493، 18498) والعلل رقم (3675، 3676) (2835) والفسوي في المعرفة والتاريخ والحاكم في المستدرك وفي المعرفة وأبو نعيم في الصحابة وابن حزم في الإحكام.

ومنه ما وقع لأنس بن مالك رضي الله عنه: «قال رجل لقتادة سمعت هذا من أنس؟ قال: نعم، قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وحدثني من لم يكذب والله ما كنّا نكذب ولا ندري ما الكذب» أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 633 - 634) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت