قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجها يمضيان معا ... وكلما احتمل حديثان أن يستعملا معا، استعملا معا، ولم يعطِّل واحد منهما الآخر» [1] .
وقال الإمام الخطابي رحمه الله: «وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر، وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر: أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضيّة العلماء» [2] .
ويقول الإمام ابن حزم رحمه الله: «والقرآن والحديث كله لفظة واحدة فلا يحكم بآية دون أخرى ولا بحديث دون آخر. بل يضم كل ذلك بعضه ألى بعض إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض ومن فعل غير هذا فقد تحكّم من غير دليل» [3] .
وأما النسخ: فإنه إن تعذّر الجمع، وكان الخبران مما يدخله النسخ، نُظِرَ إلى التاريخ، فيكون المتقدِّم منهما منسوخا بالمتأخر.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله: «لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ، إلا بيقين، لأن الله عز وجل يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {واتبعوا ما أنرل إليكم من ربكم} فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك: إنه منسوخ، فقد أوجب ألّا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجرّدة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل .. وكل ما ثبت بيقين، فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمرٍ أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه» [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «كتاب الله نوعان: خبر وأمر، وأما الخبر: فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسّر أحد الخبرين الآخر ويبيّن معناه.
وأما الأمر، فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله، إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدًا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا». [5] .
(1) الرسالة للإمام الشافعي (342) ، اختلاف الحديث (39 - 40)
(2) معالم السنن (3/ 68)
(3) الإحكام في أصول الأحكام (3/ 118)
(4) الإحكام (4/ 497)
(5) درء التعارض (5/ 208)