فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 74

وقيل: هي من باب الحقيقة وعلى بابها فإن المكر إيصال الشر إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد، فإن كان الغير يستحق ذلك الشر كان مكرا حسنا وإلا كان مكرا سيئا وقد يجب مثل ما إذا كان الشر الواصل للغير حقا لمظلوم فيكون واجبا في الشرع على الخلق وواجبا من الله بحكم الوعيد إن لم يعف.

والله سبحانه وتعالى إنما يمكر ويستهزئ بمن يستوجب ذلك فيأخذه من حيث لا يحسب كما فعل ذلك الظالم بالمؤمنين. انظر:[بيان الدليل على بطلان التحليل (ص 212)

وهذا هو الصواب فلا يستحسن من الخطابي رحمه الله إطلاق تحريم المكر على كل حال.

وقال الإمام ابن هبيرة الوزير رحمه الله (560 ه) في شرح حديث أبي هريرة في نبذ عهود المشركين إليهم في الحجة التي قبل حجة الوداع: «إن العهود لا يباح نقضها ألا بعد نبذها والإعلان بالخروج عنها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بينه وبين المشركين عهد أعلن بنبذ عهدهم إليهم في موسم يجمع الناس وتنتشر أخباره ومن مدة يبلغون فيها إلى مأمنهم مشعرا بذلك أن الغيلة والفتك بمن له عهد لا يجوز في المشركين فكيف بالمسلمين؟» . [كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح:1/ 65 - 66]

وجاء في كتاب الدرجات إلى مرقاة الصعود في بيان الفتك: «هو قتل المؤمِّن غيره غدرًا في حال غفلته» [1] .

وقال صاحب عون المعبود: «معنى الحديث: أن الإيمان يمنع من الفتك الذي هو القتل بعد الأمان غدرًا كما يمنع القيد من التصرّف» [2] .

ولهذا: لا يجوز حمل الفتك في النصوص الشرعية على واحدٍ من تلك الوجوه إلا بدليل تقوم به الحجة وهو ما فعله الفقهاء وإلا لزم التحكّم والتشريع بالرأي المجرّد وهو صنيع المنهزم المخذول.

المطلب الثاني: شر البلية ما يضحك

مما يضحك، وشرّ البليّة ما يضحك: أنّ المعترض الجامي المدخليّ حمل «الفتك» في الأخبار على القتل غيلة ليمرّر التّخذيل والخور وتنجو الأحباش والأفارقة الصليبية عن ضربات المجاهدين والكمائن المنصوبة والاغتيالات المتقنة التي أقضّت مضاجع الأوباش، وهدّت أركان الكفر، وعروش الطاغوت فتحكّم من غير دليل فبان عوره، وظهر هواه للقارئ.

(1) بذل المجهود في حل سنن أبي داود (9/ 501)

(2) عون المعبود شرح سنن أبي داود (7/ 323)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت