فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 74

المطلب الخامس: أن الأصل الإحكام وعدم النسخ

إنّ الأصل عدم النسخ بالاتفاق، ومدّع النسخ مدّع خلاف الأصل، فعليه الإتيان بالناقل الصريح ولا يثبت بالاحتمال، كما سلف في المقدمات الأساسية.

وتأخّر إسلام الرّاوي وتقدّم صاحبه غير كافٍ في النسخ على التحقيق لأن الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض كما سبق التدليل عليه.

ومن نافلة القول الإشارة إلى بعض ذلك فأقول: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه من رواة قصة ذي اليدين في السهو ولم يدرك ذلك، وإنما أخذ عن غيره من الصحابة، إن لم يذهب أحد إلى تعدّد القصة وهو بعيد.

وروى أيضا حديث بطلان صوم من أصبح جنبا، ولما رُوجع بأحاديث أمهات المؤمنين الناسخة قال رضي الله عنه: «حدثني بذلك الفضل بن العباس رضي الله عنه» .

ألا تراه يروي حديثا منسوخا مع تأخر إسلامه.

وكان رضي الله عنه ممن روى أحاديث الوضوء مما مست النار المنسوخة بل كان يعمل على المنسوخ ويذهب إلى وجوب الوضوء مما مست النار حتى احتدم النقاش بينه وبين ابن عباس وغيره من الصحابة.

وروى أيضا أحاديث غزوة بدر؛ من ذلك قوله: «لما كان يوم بدر تعجّل الناس إلى الغنائم فأصابوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغنيمة لا تحلّ لأحد سود الرءوس غيركم» وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها فنزلت نار من السماء فأكلتها. فأنزل الله هذه الآية: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} إلى آخر الآيتين» [1] .

أفلا تراه يروي رضي الله عنه قصة لم يدركها قطعا ولا كاد، وحكما منسوخا وهو أحفظ من غيره على الإطلاق.

ولقد صدق البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: «ليس كلنا سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدّث الشاهد الغائب» .

وقوله رضي الله عنه: «ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه من رسول الله ولكن سمعناه وحدّثنا أصحابنا ولكنا لا نكذب» .

(1) رواه الطيالسي في المسند (2551) ومن طريقه ابن أبي حاتم في التفسير (9895) وراه الترمذي (3085) والنسائي في الكبرى (11209) وابن الجارود في المنتقى (1071) وراه الشيخان بنحوه وعبد الرزاق وأحمد وغيرهم حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت