«وكان ما توّهمه هذا المتوهم جهلا بلغة العرب وسَعَتها، إذ كان في قول رسول الله عليه السلام في حديث عمرو بن الحمق هو على من كان آمنا إما بالإسلام، وإما بذمة، وإما بأمان بإعطاء من المسلمين إيّاه ذلك الأمان، حتى صار به آمنا على نفسه، وحتى صار به دمُه في حاله تلك حراما على أهل الملة، وأهل الذمة جميعا.
وكان ما في حديث جابر في قصة محمد بن مسلمة، وأصحابه في كعب بن الأشرف، وفي ائتمانه محمد بن مسلمة على نفسه إنما بأمن كافر، لا يحل أمانه لملّي ولا لذمي، ولا يكون لملي ولا لذمي إعطاؤه ذلك وذلك لما كان عليه من الأذى لله تعالى ولرسوله، ولو أن رجلا من أهل الملة أمّنه لما أمن بذلك ولا حرم به دمه.
فدلّ ذلك: أنّ ما كان من ائتمان كعبٍ محمد بن مسلمة على نفسه، كان كلا ائتمان، وأنه كان بعده في حلِّ دمه، كهو كان في ذلك من قبل ما كان منه من ائتمانه محمد بن مسلمة على ما ائتمنه عليه من نفسه، فعادت أحاديث رسول الله هذه إلى انتفاء التّضّادِّ عنها، وانصرف كل صنف منها إلى خلاف الصنف الذي انصرف إليه غيره منها» [1] .
هذا تقرير بأن التأمين الصريح يحرم به دم الكافر الحربي، وأن ما اعتقده الحربي أمانا أو تأمينا من غير تصريح من المسلم، فلا يعدّ تأمينا لأن مخادعة الحربي لأجل قتله بذلك جائزة، وليس ذلك تأمينا، ولكنه يوصّل إلى القتل الواجب.
وأن تأمين مثل هذا لا يصحّ وإن أمّنه مسلم أو ذمي لاعتدائه على الله وعلى رسوله وعلى المسلمين فلا يصحّ مثل هذا [2] .
فلا تعارض بين اغتيال ابن الأشرف، وأبي رافع وغيرهما وبين حديث: «من ائتمنه رجل على دمه فقتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرًا» .
فإذا كان هذا معنى الحديث فمن باب أولى، أن لا يكون تعارض بين أدلة الاغيتال، وبين النهي عن الفتك غير الظاهر في المسألة والله تعالى أعلم.
(1) شرح مشكل الآثار (تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار:5/ 666) .رقم حديث: (3791 - 3795)
(2) السيف المسلول على ساب الرسول ص 307