وقال أنس بن مالك رضي الله عنه بعد ما قيل له في حديث: «أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وحدّثني من لم يكذب والله ما كنّا نكذب ولا ندري ما الكذب» .
وقال أيضا: «ما كلّ ما نحدّثكم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لم نكن يكذب بعضنا على بعض» . وهي آثار صحيحة ثابتة عنهم.
من أجل هذا وغيره من الدلائل لم يعتبر أهل التحقيق من أهل العلم تأخّر الرّاوي وتقدم غيره من مسالك النّسخ في الأدلة والأحكام.
هذا وقد ثبت بالدليل أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع، لأن إعمال أحد الدليلين أولى من إهمال أحدهما، والجمع بين أخبار الفتك وبين أحاديث الاغتيال ممكن بسهولة كما سلف عن العلماء، فلماذا يلجأ المتعجرف إلى النسخ؟
لم أفهم السبب إلى الآن كما ينبغي وإن كنت أظن!!
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في الكلام على أحاديث ظاهرها التعارض:
«لأن التعارض في الآثار إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الأخر.
وإنما المتعارض والمتضادّ المتنافي الذي لا يثبت بعضه إلا بنفي بعض، وإنما هذا من باب المجمل والمفسَّر، ومن باب العموم والخصوص، وقد بيّن ذلك في كتاب الأصول بما فيه كفاية» [1] .
وفي ضوء هذا: لا تعارض ولا تنافي بين أخبار النهي عن الفتك وبين أحاديث الاغتيال وإنما هي من باب المجمل والمفسّر فإن المشترك نوع من المجمل عند عدم البيان فالفتك المنهي عنه هو: قتل من له أمان وعهد غيلة أو جهرا حملا بالسنة على السنة بالتفسير والشرح لا هدمها بمعاول التحريف والتخريف.
وإلا فما هي الضرورة الملجئة إلى القول بالنسخ في أحاديث لا تعارض بينها على التحقيق، حتى يحتاج إلى الجمع، فضلا عن القول بالنسخ، ليس هناك إلا التنصّل من الجهاد والتمحّل للمجرمين، والتخذيل للمؤمنين.
(1) التمهيد (8/ 483 - 484) موسوعة شروح الموطأ.