فإذا الكلام جار أصالة على الإيمان، وذكر المؤمن تابع له، فإذا أخّر كان بالعكس.
فعلى هذا لا يفتقر في الحديث إلى التزام النسخ والتكلف فيه، هذا من جهة المعاني.
وأما من جهة البيان: فإن التركيب من الاستعارة التمثيلية، فإنه صلى الله عليه وسلم شبّه العادة المستمرة، والشّريعة الثابتة في الجاهليّة من الفتك والغيلة، في اطرادها وإطلاقها بالوحوش الأوابد والإبل الشوارد، وشبّه الإسلام بالخيل السوابق والجياد العواتق وشبّه نسخه لتلك الشريعة الباطلة وهدمه لتلك القاعدة الزائغة بالقيد على تلك الأوابد. قال امرؤ القيس: ( بمنجرد قيد الأوابد هيكل) .
ثم أدخل صورة المشبّه في جنس صورة المشبّه به ثم حذف المشبّه به وجعل القرينة الدالة عليه ما يخص المشبه به من القيد.
فإذا كان الشأن هذا فكيف يذهب إلى جعل الفتك من خصائص من بعث لإتمام مكارم الأخلاق وقلع رذائلها من سنخها صلوات الله عليه؟
فالحديث من جوامع الكلم التي خص بها هذا النبي المكرم صلى الله عليه وسلم عرفه من ذاق معرفة خواص التركيب، واعتلى ذروة علم المعاني وامتطى غارب علم البيان والله أعلم» [1] .
هذا ويحتمل الفتك في القتل أن يكون من باب المشترك وضعا أو استعمالا حيث يطلق على القتل مجاهرة، وعلى القتل غرة وغفلة، ويطلق على القتل غدرا، وعلى هذا فالفتك لفظ مشترك فإن كان كذلك فالمشترك من المجمل فلا يجوز العمل به حتى يأتي المبيِّن على التفصيل السابق في ثنايا البحث.
وعلى أيّ حال فالفتك لا تتنافى فيجوز القول أنّ النّهي يدل على تحريم ركوب المرء برأسه وعلى تحريم قتل الكافر مجاهرة أو غدرا أو قتله غيلة وكذلك قتله على غفلة جهارا.
وتقريره: أن المشترك من باب الظاهر فيحمل على العموم لغة وأن نسبة المشترك إلى جميع معانيه كنسبة العام إلى أفراده، كما هو مذهب جماعة من الأصوليين مثل الجويني وابن القشيري والغزالي والآمدي وابن الحاجب وبعضهم قال: يحمل على الجميع احتياطا وقد مرّ ما يلزم من المفاسد والباطل على هذا التقرير.
وعلى القول بعدم الحمل على الجميع لكن لما لم يقم دليل على تعيين أحد المعاني منعنا الكلّ، لا لأنه مقتضى اللفظ وضعا بل لأنّ النهي عن الفتك دلّ على تحريم أحدها ولم يتعيّن ولا يُخْرَج من عهدة
(1) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (7/ 135 - 136) ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 115) للملا علي القارئ.