فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 74

وأما ركوب المرء ما همّ من الأمور من دون ضابط فلا يستجيزه ذو عقل فضلا عن مسلم متشرّع، فلم يبق إلا الاغتيال بنصب الكمائن وهو ما حملت الحديث عليه؟

أجيب:

أن هذا باطل وبيانه: أن النزاع في تقرير دلالة «الفتك» على مدلوله بغض النظر عن الأدلة الخارجية، وقد تقرر أن الفتك يحتمل أن يكون من أسماء الأجناس التي يسمونها المتواطئة كالإنسان والمشرك واللون والثمر وحكم هذا النوع إذا ورد في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحمل على ما يقتضيه اللفظ من عموم أو خصوص كما يحتمل أن يكون من باب المشترك الذي له أكثر من معنى كما سبق؛ وعلى فهمك المنكوس فاللفظ خاص ليس بمتواطئ ولا بمشترك فلا يحتمل إلا معنى واحدا وهو القتل غيلة، ومن ثمّ فلا يحتاج إلى الجواب عن الوجوه الأخرى فلماذا أجبت عنها؟ فوجب بقاء الأوجه المذكورة على الأصل لأن الحديث لم يتناولها لا بطريق الاشتراك ولا بطريق العموم.

وإلا فلو احتمل اللفظ عندك المعاني السالفة، فما المانع من بعضٍ والمسوّغ لبعض آخر؟

وإذ لم تَحْمِل على الأوجه التي دلّ عليها اللفظ بالاشتراك فلم عيّنت أحدها تحكّما وتشهّيًا وأخرجت بعض الصور الأخرى التي هي محلّ إجماع بين اللغويين والمحدثين والفقهاء. ثم إن الوجه الذي حملت عليه «الاغتيال» على سبيل النسخ على رأيك المعوجّ لا يستقيم لأن الفتك أعم من الغيلة فكان الوجه أن تقيم الدليل أولا على أن المراد بالفتك في الحديث قتل الغيلة الخاص ثم تخصيص النهي بقتل الغيلة وبقاء الصور الأخري من الفتك على الجواز لأن النهي لم يتناوله لكنك تقول:

الاغتيال كان مشروعا بدليله من عموم الكتاب وخصوص السنة ثم نسخ بالنهي عن الفتك الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فلزمك القول بالإفراد وعدم الاشتراك والتواطئ وهو المطلوب.

وهنا أمران ولا بدّ من التزامهما على قاعدتك:

أحدهما: حمل الفتك على القتل سرّا وخفية لا غير خلافا لأهل اللسان والشرع وتحكما بالرأي والهوى المجرّد فظهر فساد قولك بلا شك.

الثاني: القول بنسخ الاغتيال بالنهي عن الفتك لأنه أخصّ من القتل فظهر التعارض بين أدلة الجواز وبين حديث النهي عن الفتك فوجب الجمع بينهما بين الخاصين المتعارضين فلم يبق إلا القول بالنسخ حيث لم يمكن غيره!.

وهذا باطل من وجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت