الوجه الأول: لم يثبت عن أهل اللسان أن الفتك معنى مفرد خاص في قتل الغيلة والبحث لغوي فانهدم ما بني عليه من الزور والإفك.
الوجه الثاني: سلّمنا أن الفتك يطلق ويراد به الاغتيال، لكن لم قلت: أنه تعيّن للحمل في هذا الموضع؟ لأن ما صحّ لغة لا يلزم صحته شرعا في كل مقام.
الوجه الثالث: لا نسلّم لزوم التعارض بين أدلة الاغتيال وبين النهي عن الفتك لأنّ من شرط التعارض: التنافي بين الدليلين فلا تنافي بين النهي عن الفتك الذي هو الغدر (القتل بعد الأمان) وبين الفتك بأعداء الله من غير أمان.
قال الإمام ابن عبد البر: «إن التعارض في الآثار إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر» وهذه الأدلة بحمد الله لا تتنافى كما مرّ.
الوجه الرابع: سلّمنا تقابل الدليلين لكن لا تعارض لانتفاء المساواة بينهما فلا يقاوم حديث الفتك روايةً أدلة الفتك والاغتيال لأعداء الله المخرّجة في الصحاح والسنن.
الوجه الخامس: سلّمنا المساواة بين الدليلين روايةً، لكن أجيب بالمنع درايةً فإن أدلة الاغتيال ظنية الثبوت قطعية الدلالة بخلاف حديث الفتك فإنه ظني الثبوت محتمل الدلالة ولا تعارض بين قطعي وبين محتمل أصلا.
الوجه السادس: سلّمنا ثبوت التعارض لكن نمنع النسخ لإمكان الجمع من غير تكلف وذلك بحمل المشترك على أحد معنييه لدليل وهو القتل غدرا، أو القتل من غير قيد شرعي ولا ضابط وهما من معاني اللفظ وضعا أو استعمالا.
الوجه السابع: سلمنا عدم إمكان الجمع بين الدليلين لكن لا نسلّم القول بالنسخ لعدم التاريخ فوجب الترجيح ولا شك أن أدلة الاغتيال أرجح من دليل الفتك رواية ودراية فوجب المصير إليها.
الوجه الثامن: سلّمنا تعذر الترجيح بين الأخبار فيتوقّف عنهما وكأنها لم تجئ ويجب الرجوع إلى الأصل فيما كان عليه الناس من قبل وهو قتل من وجب قتله أو جاز كيفما أمكن.
والمقصود:
التنبيه على أن النهي عن الفتك لا يحتمل إلا معنى واحدا عند المنهزم الجامي وهو القتل سرّا (الغيلة) لفظ مفرد فلا يتناول عنده بطريق من الطرق قتلَ الكافر جهارا ولا القتل بعد التأمين، وركوب ما همّ من الأمور مخالفة لأهل اللسان والفقه والحديث، وغلى غرار قاعدته النكراء لا يكون قتل الكافر الحربي على غرة أو غدرا منسوخا بخبر الفتك لأن النهي لم يتناول ذلك على سبيل الاشتراك أو التواطئ.