فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 74

سفيان مع هرقل عظيم الروم، وقوله: «وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر» [1] .

وهذا خبر من الأخبار، لا يدخله النسخ عند جماهير أهل العلم، وإنما قال هذا هرقل لأنه وجد في الإنجيل صفته وصفة جميع الرسل من أنه لا تجوز عليهم صفات النقص الخُلقية لأنهم صفوة الله معصومون من الغدر وليس هو من صفات الرسل [2] .

ولما قتل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قبل إسلامه بقوم من المشركين، فقتلهم وأخذ أموالهم قال عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» [3] . إذ كان فيه شائبة الغدر والخيانة فنأى بنفسه عن ذلك بأبي وأمي هو.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «وأما المال فلست منه في شيء» : دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يملك بل يرد عليه، فإن المغيرة كان قد صحبهم على الأمان، ثم غدر بهم، وأخذ أموالهم، فلم يتعرّض النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأموالهم، ولا ذبّ عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة». [4] .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في قوله:

«وأما المال فلست منه في شيئ» :أي لا أتعرض له لكونه أخذه غدرا. ويستفاد منه: أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا، وأن أموال الكفار إنما تحلّ بالمحاربة والمغالبة» [5] .

وما زال صلى الله عليه وسلم يوصي بعوثه وأمراء الحرب بالابتعاد عن الغدر ونقض العهود والتمثيل والغلول كما تواترت بذلك الأخبار. [6]

والمقصود هنا: أن أبا سفيان والمشركين نفوا بإقرارهم وتصريحه، الغدرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن نفيهم كان بعد اغتيال كعب بن الأشرف وأبي رافع عبد بن أبي الحقيق اليهوديين، وبعد

(1) صحيح البخاري. كتاب بدء الوحي حديث رقم (7) ، والسيف المسلول على ساب الرسول ص 302

(2) شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/ 191) وفتح الباري لابن حجر (6/ 319)

(3) رواه الإمام البخاري (2731 - 2732) وأحمد في المسند (18153) والنسائي في الكبرى (8680) ذكره الإمام النسائي في باب الوفاء بالعهد

(4) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 271)

(5) فتح الباري (5/ 402)

(6) من ذلك قوله عليه الصلاة السلام: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة عند إسته فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان يرفع له بقدر غدرته» .وقوله: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت