فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 74

«وما أشبه ذلك من التقدم بكل ما يقع به توهين العدو، أو يلتمس فيه غرّته، وإصابة الفرصة منه على وجه لا يوهم الأمان .. فيدخل في ذلك التورية والتبييت، والتشتيت بينهم، ونصب الكمائن، والاستطراد حال القتال لانتهاز فرصة الكرّ، وما أشبه ذلك» . [1] .

تنبيه: قول ابن جزي رحمه الله: «وليس منها أن يظهر لهم أنه منهم، أو على دينهم، أو جاء لنصيحتهم حتى إذا وجد غفلة نال منهم فهذه خيانة لا تجوز» .

فيه مصادمة صريحة لحديثي عبد الله بن أنيس الجهني وعمرو بن أمية الضمري فإن ابن أنيس أظهر للعدو أنه من أهل دينه المناوئين لمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه جاء لينصره عليه وطلب المبيت والضيافة على ذلك فلما أمنه على نفسه قتله.

وكذلك فعل عمرو بن أمية الضمري بالبكري فإنه انتسب إلى قبيلة العدو وهم أهل الكفر فلما آمنه على نفسه ونام قتله، وقد فعل نحو ذلك بالعامريين إثر حادثة بئر معونة المؤلمة.

وكذلك محمد بن مسلمة وصحبه أظهروا لابن الأشرف أنّهم من حزبه حتى صوّروا له أنه موضع سرّهم في الشكوى من محمد وأمره وأنهم جاءوا إليه للاستقراض والاستنصاح في أمر محمد حتى آمنهم على نفسه وخلا بهم ساعة من الليل مع العلم بإسلامهم.

وأخذ أحكام الجهاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه أولى عند أهل العلم من الاعتضاد على الرأي.

ولعلّ ابن جزي لم يستحضر تلك السنة فجاء كلامه مخالفا، فكان الإمام الشيباني أولى بفقه هذه الأخبار من المالكي حين قال:

«وإذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان فأخذه المشركون، فقال لهم: أنا رجل منكم، أو جئت أريد أن أقاتل معكم المسلمين، فلا بأس بأن يقتل من أحب منهم ويأخذ من أموالهم ما شاء» . [2] .

ثم استدل بحديث عبد الله بن أنيس كما سبق.

وهذا الإمام السرخسي يوضّح وجه الدليل: «لأن ما أظهروا لو كان حقيقة لم يكن بينهم وبين أهل الحرب أمان، فإن بعضهم ليس في أمان من بعض حتى لو استولى عليه أو على ماله بملكه وإذا أسلم عليه كان سالما له.

(1) كتاب الإنجاد في أبواب الجهاد (2/ 312) للإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى المعروف بابن المناصف رحمه الله (ت:620 هـ)

(2) السير الكبير (1/ 266)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت