العصي الحدباء التي أرته إياها أول مرة في رئة ذلك العامل فدعا عونيه الأقدمين - لفلار الشغال، وجفكي المخلص - فتركا ما هما فيه من مكروبات أخرى يبحثانها، فلما جاءاه أراهما ما وجد. قال: (انظر كلاكما فآني وضعت في هذا الحيوان منذ ستة أسابيع فتيتة صغيرة من الورق لا يتجاوز ما فيها مائة من هذه البشلات، وها هي اليوم قد تكاثرت فيه فبلغت البلايين. أي مخلوقات هذه! فلقد إنتشرت من حيث حقنت في فخذ هذا العيني إلى كل أجزاء جسمه، فنفذت كالأرضة إلى اقاصيه، واخترقت جوانب الشرابين. . . . وحملها الدم إلى عضامه. . . وحملها إلى ابعد زوايا في مخه. . . .) وذهبت إلى مستشفيات برلين، كائنة حيث ما كانت، يستجدي منها جثث الموتى رجلًا ونساءً من صرعى السل، واخذ يقضي أيامه وحيدا مستوحشًا بين هذه الجثة حيث هي من بيوتها، ويقي امساءه عند مكرسكوبه في معمله، وهو ساكن كالقبر إر من أصوات خنازيره الغينية وحركاتها، واستخرج من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من هذه الخنازير، وفي كثير من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من الخنازير، وفي كثير من الأرانب، وفي ثلاثة كلاب، واثنتي عشرة حمامة، ثلاثة عشرة قطة خداشة، دجاجات دفاقةقواقة؛ ولم يقف من جنونه إلى هذا الحد من جقن هذا العدد الكبير من الحيوانات، بل انه حقن هذه المادة الجبنية القاتلة في أنواع عدة من الجرذان والفئران أبيضها وأرمدها، وما يرتاد الجبال منها، بلغت دقة كوخ في صيد المكروب حدًا لم يبلغه صائدًا قبله.
وتفكر كوخ لما أجهده الحذر قال: (يا لله من عمل يهز الأعصاب هزًا) . قال هذا وقد خال ما كان حاله لو أن مخلب هذه الهرة امتد كالبرق إلى محقنه فأرتشق في جلده بكروبها القاتل! لم يكن كوخ برغم هدوئه ووحدته وانفراده في محاربة هذه الأعداء الخفية خلوا من هزات الحياة وانفعالاتها، إلا أنها لم تكن انفعالات من التي تنعش وتسر، ولكن من تلك التي تنذر بالفواجع والمآسي.
وصمد صاخبًا للمأساة المنذرة فلم تزل يده إنما ازدادت على الأيامجفافًا وتجعدًا واسودادًا لغمسه إياها في محلول السليماني، هذا المحلول الطيب الذي وجد بحاث الكروب في تلك الأيام أمنهم فيه، فغمروا يه كل شيُ حتى أجسامهم. وتتالت الأسابيع وكوخ بين مواء القطط وقيق الدجاج ونباح الكلاب، وبشلته الحنواء تتكاثر تكاثرًا سريعًا قاسيًا فظيعًا في هذه