وكل ما قد خلق الله ... وما لم يخلق
محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي
فأنك لا تجده يختلف عن قول هبة الله بن سناء الملك:
وفرطُ احتقاري للأنام لأنني ... أرى كل عار من حلي سودَدِي سدى
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم ... ذكاءً وعلمًا واعتلاء وسؤددا
وبلغ من شجاعته أن لاقى الموت المحقق فرارًا من الغدر. وبلغ من صدقه أن قال عنه بن حمزة إنه ما كذب قط، وقال هو:
ومِن هوى الصدق في قولي وعادته ... رغبتُ عن شَعرٍ في الرأس مكذوب
وبلغ من وفائه أنه برغم ما عامله به سيف الدولة من سوء العشرة، لم يبح ذاكرًا له متشوقا إليه؛ وقد كان يمدح كافورا فيصدر بمدحه ويكثر التأسف على فراقه. ومن شدة وفائه أنه وفى للشيب فلم يقدر على مفارقته إلا حزينا باكيا كما قال:
خلقت ألوفًا لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا
هذه أخلاق المتنبي ليس مغمز لأحد؛ وقد وصف به نفسه في شعره، وجاءت سيرته دليلا على صدقه في هذا الوصف. إلا أن الطاعنين عليه لم يعدموا ما يلمزون به أخلاقه أيضًا فقالوا: إنه كان بخيلا، وبخيلا جدًا، واستدلوا على ذلك بحكايات ملفقة تشتم منها رائحة الوضع كما يقول المحدثون، وبأبيات من شعره إن لم نقل إنها محرفة عن موضعها فلا أقل من أن نقول إنها لا دلالة فيها على ما زعموه أصلا. فأما تلك الحكايات فقد كفانا الأستاذ المازني أمرها إذ بين ما فيها من زور وما تحتويه من بهتان؛ وأما أبيات الشعر فأنا ناقلون مما هو نص من شعره في نفي هذه التهمة عنه ثم مقارنون بينه وبينها ليظهر خطأ الاستدلال بها واضحًا لا خفاء فيه
قال المتنبي يستنجز كافورا ما وعده به من الولاية:
أبا المسْك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أُغَنى مُنذُ حين وتَشرَبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةً أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب
وقال فيه أيضًا:
وهل نافِعي أن تُرفَعَ الحُجْب بينَنا ... ودون الذي أمَّلتُ منْك حِجابُ