اعتقاده هذا أن يهيج الناس عليه. فالإنسان الحاضر هو (ذاتي وغير ذاتي) في وقت معًا. يرى في الحالة الأولى نفع نفسه وفي الحالة الثانية نفع غيره، ويتحرى عن سعادتهم كما يتحرى عن سعادته. على أن النزاع بين الحالتين هو نزاع عنيف وقد تقوي في الإنسان حالة منهما دون أخرى على حسب ميوله القلقة التي تميل به إما إلى ذاته وإما إلى المجتمع. فبعضهم تغلب فيه الذاتية على غيرها، فيضحي بمصالح الغير في سبيل مصلحته؛ وبعضهم يضحي بمصلحته عاملًا على صيانة مصالح الغير. أما نيتشه فهو من القائلين (بالذاتية) الذين يحبون ذواتهم؛ ومذهب أهل حضارة العصر إنما يتجلى في اعتناق مذهب المحبة الشاملة؛ وهذا الاختلاف بين نيتشه وبين معاصريه يكفي لأن يثير في خصومه عداوة عميقة وخصومة عنيفة على هذا الذي لا يرى رأيهم في اتخاذ محبة الغير مثلًا أعلى
على أن هاتين الحالتين ليستا من الحالات المعينة التي لا يتخطاها الإنسان ولا يتعداها، إذ لست أرى أحدًا مال بكليته إلى حالة وقطع كل اتصاله بالأخرى. فهناك درجات متفاوتة في الغرائز، وهذه الدرجات قد تتغير وتتطور بحسب الزمن والعصر والمحيط. على أننا سنحكم على فلسفة نيتشه الآن حكمًا عقليًا واضحًا
إن فلسفة نيتشه هي مثال من أجمل الأمثلة الذاتية الأرستقراطية؛ مثال جميل حي منطقي يحتوي على هدى لكل من يريدون أن يكوّنوا حياتهم ويجعلوا منها مثالًا واحدًا يتحدون معه، كما هو الأمر في فلسفة (تولستوي) المناقضة لفلسفة نيتشه. على أن الحل الذي أعطاه نيتشه للمسألة الأخلاقية يتراءى لنا أن احتماله شديد على الأنفس، في الناحية التفكيرية والناحية العلمية، وأن تنفيذ مذهب (السوبرمان) ليفتقر إلى جهود قل أن توجد؛ ونيتشه ذاته يعلن بأن أمثال هؤلاء الأفراد الذين يجد فيهم العبقرية لم يكونوا إلا وليدي المخيلة والخيال
وهكذا يتراءى لنا أن نيتشه لم يخلق ليكون زعيم مدرسة فلسفية حقيقية، إنه سيبقى وحيدًا فريدًا، أمة وحده بين الناس، كما كان في حالة تفكيره وتأمله؛ على أن مذهبه تارك وراءه تأثيرًا كبيرًا. ينمي في روح الفرد وروح الشعب (الأفكار الذاتية) ، وهذا التأثير يتبع خيره وشره الجبلة الخلقية التي تلتصق بالأفراد والشعوب. فهو قد يعمل على تهديم طبائع طغت فيها الأنانية على كل شيء حتى جاوزت حدها؛ قد يعمل على رفع بعض الطبائع، يدرأ