حقًا إن بيني وبين نيتشه أسبابًا لا أظن انقطاعها يسيرًا؛ وقد اختلفت إليه ليالي كثيرة وليس بيني وبين نبيه فاصل. أبثه من روحي ويبثني من روحه. نتألم معًا من الحياة ونرقص لها ابتهاجًا. ولا أدري علة هذا الترابط ومن يستطيع أن يحفظ على التحقيق كل سبب يربط بينه وبين مفكر ما؟ أليست هناك أسباب مختلفة قد تتآلف وقد تتخالف، فتمزج هذا المفكر مع عقلك وقلبك، أو لا تزيدك منه إلا نفورًا؟ وما عسى يكون سر تعلقي بنيتشه إلا سر تعلقي بالحياة؟ كانت الحياة عندي ظلمة حالكة فغمرها نيتشه بفجره. كانت الحياة شكا مرًا وقلقًا مستحوذًا عليّ فبدل شكي بايمان، وقلقي بعزيمة لا تتقلقل. كان سفيني مضطربا في خوض لحج الحياة، تهم يد الضلال بافتراسه، فاستنقذه نيتشه وساقه إلى منارة النجاة!
ذلك فضل نيتشه علي، وأعظم بهذا الفضل! وكيف يريد أولئك الذين لاموني على انكبابي على نيتشه أن أصدف عنه؟ وإنني لواجد فيه علامة من العلامات الواضحة التي تنصبها الحياة للظالين عن مناهجها؛ فنيتشه هو علامة فيض الحياة المتفجرة والإرادة الصارمة. ولعل أولئك السقماء الذين أتوه فروا من مباضعه القاسية وتعاليمه العنيفة لأنهم يريدون علاجًا يبعث في أعضائهم المشلولة الدفء والسكينة، وهو إنما يريد أعضاء تبارك الحياة بالعزم والحركة. إنه قد أحرق العلاجات المخدرة للأوجاع قبل أن يقدموا. فإن كنت صابرًا على احتمال قسوته فتعال إلى نيتشه
إن نيتشه ليس بمفتقر إلى جثث - خالية من الإحساس - يحملها على ظهره، وإنما هو يريد رفاقًا أحباء هدامين مثله، قد ادّرعوا الإرادة وصافحوا الألم رفيقًا لا سيدًا يقتحمون بإرادتهم وصرامتهم كل شيء كالسيل الجارف؛ لا يصدهم عن غرضهم صاد، ولا يقف سيرهم حاجز؛ يثبون فوق القمم وثبًا لا يزحفون زحفًا؛ في نفوسهم عقيدة تفيض حماسة وقوة، يفرضونها على الزمان ولا يجد الزمان إلى إضعافها سبيلا. هؤلاء الرفاق الأشداء يستطيعون أن يمشوا مع نيتشه، ويمجدوا الحياة في كل أدوارها، ويحلقوا فوق آلام الحياة وأفراحها
أن كاتب (فلسفة نيتشة) بالفرنسية يرى في اقتحام نيتشة لبلاده نعمة، لأنه لا يرى في مظاهرها الاجتماعية ما يدل على فيض وحماسة في الناحية المادية والخلقية. وإن نيتشه ليبعث هذا الفيض وبخلق هذه الحماسة في الناحيتين. فإذا كانت فرنسا الحية تفتقر إلى من