البيضاء، والقصور الحمراء، فأحسسنا جمال الدنيا، وسموّ المجد، وعزة الغنى. . . وأدركنا بعقولنا الصغيرة أن الشيخ كان على ضلال، وأن أهلنا كانوا على خطأ، وأن العلم قد يحصل في الدنيا الواسعة، والبقاع الجميلة، أكثر مما يحصل في السجون والكتاتيب، وأن جمال الحقل، أبلغ في التهذيب من عصا الشيخ
في تلك الساعة عرفتك أيتها الساقية، فمنحتك الودّ والإخلاص، وجعلتك صديقي إذ لم أجد بيتي ومدرستي صديقًا، وكنت أرى طيفك في أحلامي، فأهش لك وأنا غارق في منامي، وأتخيل صفاءك وعطفك، وأنا بين يدي الشيخ الجبار، يقرع رأسي بالعصا، ويصرخ في وجهي بصوته الأجش الخشن:
-يا ولد يا خبيث. . . والله إن عدت إلى الهرب كسرت ساقيك، فلا أرد عليه، وإنما أستر وجهي بكفي، وأضحك بصوت غريب، فيظنني أبكي، فيدعني. . . وينصرف إلى غيري فأنظر من بين أصابعي، حتى إذا رأيته قد غفل عني قفزت إلى الشارع، فاختبأت في (جامع التوبة) أو أخذت طريقي إليك، فآكل من الثمار التي حولك، وأشرب من مائك، وأصافحك بيديّ شاكرًا، وأمسح بكفيك وجهي. . . هل تذكرين ذلك أيتها الساقية؟. .
-هل تذكرين كيف جئناك بعد ذلك، وقد تخلصنا من الشيخ ودخلنا المدرسة، فوجدنا ساحة رحبة ومعلمين كثيرين، وحصصًا قصيرة، ولكنا لم نجد عطفًا ولا ابتسامًا؛ كان معلم الحساب يحبب إلينا شيخ الكتاب، حتى نراه إلى جنبه نعيما، كنا نرى طيفه أمامنا حيثما سرنا بشاربيه الكبيرين، وتقطيبه الدائم، ونظارته التي يحدرها أبدًا إلى أرنبة أنفه، وصوته الذي يشبه صوت من يتكلم من وسط برميل، فكنا نرتجف من خياله، ونخشاه أبدًا، إلا إذا أصبحنا في حماك، فأننا نأمن، ونطلق أنفسنا على سجيتها، فنسخر من المعلم، ونقلد الشيخ، ونمرح ونعدو، ثم نعود إلى الدار ونحن ممتلئون قوة ونشاطًا، فإذا سألنا الأهل: أين كنتم؟ قلنا: كنا في المدرسة، وإذا سألنا المعلم قلنا: كنا في البيت! فيصدقوننا جميعًا. . . أوليسوا قد حملونا على الكذب حملا حين كرّهوا إلينا العلم، ودفعونا إلى الفرار، وعاقبونا على الصدق، ولم ينتبهوا إلى الكذب؟
وهل تذكرين يوم جاءت دمشق أولُ سيارة، وكنا جالسين حولك نتحدث حديث الحرب وما يمكن أن يصل إلينا من أخبارها، فما راعنا إلا عربة غريبة الشكل، تسير من غير أن