ضعيفة واهنة، أو نافرة جامحة، أو أسيرة سجينة، فإنها تفسد على الشاعر شعره، والموسيقى الشعرية لا تستطيع أن تحيا بدون التعبير العاطفي لحظة من الزمن، بخلاف التعبير العاطفي فإنه يستطيع أن يحيا، بدون الموسيقى فيكون نثرًا أدبيًا، وبقوة تعبيره وجمال تصويره تكون قيمته في هذه الحياة الفنية التي وقف عندها.
ويجب أن تكون لغة الشعر سلسة عذبة، جميلة في مرأى العين وسمع الأذن، لا يعوزها الحسن ولا ينقصها الرواء، كما يجب أن يكون الأسلوب متماسكًا متراكبًا ليعبر تعبيرًا واضحًا مسرعًا عن غايته، وحسن البيان ضروري في الشعر حتى لا يقعد به سوء التعبير عما يريد الإفصاح عنه، والواجب أن يهتم الشاعر بهذه الأشياء جميعها لأنها اللباس، وكثيرًا ما يدل اللباس على صفات لابسه.
وكل العواطف صالحة لأه تكون موضوعًا للشعر يترجم عن مستورها ويفصح عن خبيئها، ولكن ليست العواطف كلها في مرتبة واحدة غير متفاوتة، بل منها القوي ومنها الضعيف، فإذا ترجم عن عاطفة ضعيفة فأن شعره يتدلى معها إلى أسفل فتنقص من حسنه وتغض من روعته، ويجب أنه يكون القلب الذي يعبر عن هذه العواطف سليمًا غير مريض، فأن القلب هو الذي يمثل مرض الإنسان، أما القلب المريض فلا يجد من يحمله، وما أشبه العواطف بجداول مياه تنساب من لقلب فيميلها كيف يشاء.
وخير العواطف ما كان يبعث على الحياة والقوة كعاطفة الإعجاب التي تملأ قلب الشاعر فتجعله يصف الأسد مثلًا، وسمو هذه العاطفة راجع إلى أن القوة مظهر الحياة، وهي تعجب الإنسان أكثر من أي مظهر آخر، فالإنسان دائمًا يعتز بقوته ويخفي سوأة الضعف التي قد تتراءى له في زوايا نفسه، يتجاهلها، ويتعامى عنها، ويبعدها عن نفسه كلما ألمت به، ولهذا كانت العواطف التي تبعث على الحزن ضعيفة، لأن الألم والبكاء تنفر منهما النفس وتفر بطبيعتها إذ الإنسان لا يرضى أن يعترف بضعفه، وإذا اعترف لم يبق على هذا الاعتراف طويلًا، ومن العواطف الضعيفة عاطفة المدح فإنها عاطفة شخصية تتصل بنفس الشاعر وذاته، ولا تعبر عن شيء عام يشترك فيه الجميع. نعم إن تخلصت من ذاتيتها، فمدحت المروءة أو حضت على خلق كريم تغير حالها، وعلت مرتبتها، لأنها حينئذ تفصح عن شيء يشترك فيه الجميع ويقدره.