إلا أن ثارت روحها الإسلامية وهاجت غيرتها الدينية فازدادت إيمانًا بهذا الدين وأحبطت مساعي المفسدين، ولا نعرف من بين الشعوب والأمم أسرة أكثر وفاء وأعظم أمانة وأشد تعلقًا بالماضي وغيرة على اللغة من هذه الأسرة العربية التي تسكن الشرق الأوسط الذي هو مجرى تيارات المدنية والغزوات السياسية، فقد تطور كل شيء وقد تطورت هي كذلك في ثقافتها وأدبها وحياتها تطورًا كبيرًا ولكنها لا تزال متشبثة بدينها متعصبة للغتها، فليهنك أيتها الجزيرة من أبنائك هذا الوفاء وهذه الاستقامة.
إن في العالم العربي كثيرًا مما يسرك ويسر جيلك الأول لو بعث، فلا يزال الأذان تدوي به الآفاق؛ ولا يزال التوحيد والرسالة المحمدية يعلن بهما على الشرفات، والصلوات تقام والقرآن يتلى بلحن عربي شجي لو سمعته أيتها الجزيرة لطربت له واعتقدت أنه لم يقرأ إلا في هذه البلاد، ولو سمعت العلماء يفسرونه ويتكلمون في موضوع ديني لتوهمت أنه لم يفهم إلا في هذا العصر، والعلم يخدم وينشر، وفي كل يوم يتدفق سيل من المطبوعات الدينية لا يقل في الفيضان عن الزيت الذي يتدفق من شرقك إلى غرب العالم.
هذا كله مما أشهد به وأهنئك عليه، فقري عينًا وطيبي نفسًا يا أم العالم العربي؛ فمن أحق منك بالسرور على ذلك ومن الأجدر منك بالتهنئة؟
ولكني وعدتك وأنا أودعك على ميناء جدة أني لا أخفي عنك شيئًا وأني أحمل إليك في رجوعي كل حلو ومر، وأروي لك من رحلتي ما يسوء ويسر، وقديمًا قلت: أنجز حرمًا وعد.
لست أدري أيتها الجزيرة العزيزة كيف أعبر عن شعوري المزدوج المركب، وكيف أصف لك ما وجدته وما افتقدته في هذه الرحلة الطويلة، وكيف أصور المعاني المتناقضة وكيف أجمع لك بين آلام وآمال. إني أستعير أولًا كلمة لشاعر مؤمن من بلادي قد زار العالم العربي قبلي ورجع منه حزينًا يلخص رحلته في بيتين من شعر، ذلك الشاعر هو الدكتور محمد إقبال الذي يقول:
(لم أسمع في مصر ولا في فلسطين ذلك الآذان الذي ارتجفت له الجبال بالأمس. إن السجدة التي كانت تهتز لها روح الأرض لقد طال عهد المحراب بها واشتاق إليها المسجد كما تشتاق الأرض الجديبة الخاشعة إلى المطر) .