الصحيفة وقرأت القصيدة، ثم دفعتها إليه وقد أشرت بالقلم إلى عيون أبياتها ورأيي فيها، وتناولها مني ليرى اختياري، فما عرفت إلا وقتئذ أنه كان يختبرني؛ ولكني - والحمد لله - نجحت في الامتحان قدرًا من النجاح. . .!
وتكرر هذا الاختبار مرات وهو لا يحسبني أدرك ما يعني، على أن إدراكي هذا قد جعلني من بعد أكثر تدقيقًا في اختيار الحسن مما أقرأ. وأولاني ثقته على الأيام، فكان علي من بعد أن أقرأ أكثر ما يهدي إليه من الكتب، لأشير له إلى المواضع التي يصح أن يقرأها منها، وأدع ما لا جدوى عليه من قراءته ضنًا بوقته؛ وكنت أنا أكثر ربحًا بذاك. . .
الشيخ الرافعي. . . .
كثير من الذين يقرأون للرافعي ويعجبون به، لا يعرفون عنه إلا هذا الأدب الحي الذي يقرأون؛ بل أن اكثر هؤلاء القراء ليتخيلونه شيخًا معتجر العمامة، مطلق العذبة، مسترسل اللحية، مما يقرأون له من بحوث في الدين، وآراء في التصوف، وحرص على تراث السلف، وفطنة في فهم القرآن، مما لا يدركه إلا الشيوخ، بل مما لا يدركه الشيوخ. . . وكثيرًا ما تصل إليه الرسائل بعنوان: (صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى صادق الرافعي. . .) أو (صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر. . .)
ومن طريف هذا الباب رسالة جاءته من (حلب) منذ قريب، يبدي كاتبها دهشته أن يرى صورة الرافعي منشورة في (الرسالة) إلى جانب مقالته في عدد الهجرة، مطربشًا، حليق اللحية، أنيق الثياب، على غير ما كان يحسب؛ ويتساءل كاتب الرسالة: لماذا يا سيدي أبدلت ثيابًا بثياب، وهجرت العمامة والجبة والقفطان، إلى الحلة والطربوش؟ ألك رأى في مدنية أوربا في المظاهر الأوربية غير الرأي الذي نقرؤه لك. . .؟) وما كان هذا السائل في حاجة إلى جواب، لو أنه عرف أن الرافعي لم يلبس العمامة قط، وهذا لباسه الذي نشأ عليه منذ كان صبيًا يدرج في طربوشه وسراويله القصيرة، يوم كان تلميذًا يدرس الفرنسية إلى جانب العربية بمدرسة المنصورة. . .
نشأته:
على أن نشأة الرافعي كان لها أثر بالغ في الاتجاه العقلي الذي برز فيه وتفرد به؛ فهو قد