قال المؤلف رحمه الله تعالى:[وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخًا في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصومًا، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم دينًا، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينًا، ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع.
وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقًا لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب].
كلام الشيخ السابق يدل على أهمية العبودية، وأن العبودية لها مفهوم شامل يشمل الحياة بأكملها، وهذا المفهوم هو الذي جهله كثير من أبناء المسلمين في هذه الأيام، فهم يظنون أن التعبد لله عز وجل هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله عز وجل هو الخضوع لأمر الله في كل الحياة، كما قال الله عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163] .
فهذا المفهوم يعتبر مفهومًا مركزيًا ومهمًا خصوصًا في هذا الوقت، وفي الواقع المعاصر الذي نعيشه اليوم، فإن جهل كثير من الناس بمفهوم العبودية الشامل لله سبحانه وتعالى جعلهم يبتدعون ويسنون أنظمة للحياة ليس فيها أي شيء يتعلق بقضايا الإسلام أو التعبد لله عز وجل، ونحن في كل يوم نقرأ في الصحافة المحلية والعالمية، ونسمع من الأخبار كلامًا مخالفًا كل المخالفة لهذا المفهوم العظيم للعبودية، وهو شمولية العبودية لله عز وجل، وأن يكون الإنسان عبدًا لله عز وجل في كل مكان.
ولقد كنت أقرأ تصريحًا لوزير تعليم عربي يقول: نحن لسنا ملزمين ببناء التعليم على أساس الإسلام، هكذا يصرح بهذا اللفظ وبدون أي مزايدة عليه في كلامه، يقول: نحن لسنا ملزمين بأن نبني نظم التعليم أو قضايا التعليم والتربية على أسس الإسلام، فمثل هذا يفهم الإسلام فهمًا خاطئًا، إذ يفهم أن الإسلام هو مجرد شعائر تعبدية يؤديها الإنسان فقط، وأنه إذا انتهت هذه الشعائر التعبدية انتهى الإسلام بها، وأما بقية الحياة فإنها تبنى بطرق أخرى مختلفة، ولهذا أيضًا فإنهم في كل باب من الأبواب يجتهدون في أن يبنوا هذه الأشياء على غير أصول الإسلام.
فإذا جاءوا مثلًا إلى باب السياحة قالوا: لسنا ملزمين بأن نبني السياحة على الإسلام، فكل ما يجمع الناس، ويستخرج أموالهم من جيوبهم حتى تدخل في صندوق السياحة فإنه مباح عندهم حتى لو اضطروا لفتح مسارح، ومراقص، ودور للخمر، ومحلات للبغاء، وغير ذلك من الأمور التي اتفقت الشرائع جميعًا على تحريمها ونبذها وخطورتها على الإنسان.
وبهذا ندرك الخطورة الكبيرة لانتقاص العبودية، فهذا الكتاب قد يقرأه شخص فيظن أنه كتاب عادي، بينما هو كتاب لو صيغ بألفاظ عصرية لوجدت أنه يرد على كل ما هو موجود اليوم في بلاد المسلمين من مظاهر مخالفة للأصول العقدية ومنها العبودية.
ولهذا فإننا عندما نقرأ العلم وندرسه لا بد أن نربط ما ندرسه بواقعنا المعاصر، وأن يكون ربطنا ربطًا صحيحًا، ومبنيًا على قاعدة علمية صحيحة، وبمنهجية صحيحة بعيدة عن الغلو والتعسف، وبعيدة عن الإرجاء والتساهل.
وبالنسبة لما ذكره الشيخ من أن كل عمل أريد به غير الله عز وجل، أو كان على غير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم فليس من الدين، وليس من العبادة، فهذا الأصل دائمًا يكرره، وهو أصل شريف عظيم، يجب على طالب العلم أن يحفظه، بل إنه يجب على العامة جميعًا أن يدركوه، وأن يعرفوا أبعاده، وهو كثيرًا ما يكرره الواعظون، والمصلحون، والخطباء، وهو أن العبادة لا تكون صحيحة إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، إخلاص النية لله عز وجل، فأي عمل من الأعمال لا يكون خالصًا لوجه الله لا يكون مقبولًا، نسأل الله عز وجل أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه.
والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأي عمل من الأعمال لا يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسل