يقول: [ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد] .
وذلك لئلا يحصل التناقض بين أمره للعباد بخلاف ما قدره عليهم.
[وهؤلاء - يعني الجبرية - أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقًا، وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة] .
يعني: أن قول الجبرية المطلقة شر من قول المعتزلة.
[ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية] .
يعني أن قول الجبرية شر من قول المعتزلة، فإن أساس خلق الله عز وجل للناس في الأرض هو الأمر النهي، وبعثة الرسل مبنية على الأمر والنهي، والجنة والنار مبنيتان على الأمر والنهي، ولا شك في أن العقائد الصحيحة جزء من الأمر والنهي، لكن إذا كانت الموازنة بين فرقتين ضالتين ففرقة المعتزلة أقل ضلالًا من فرقة الجبرية، وإن كان الجميع ضالًا ومنحرفًا؛ لأن المعتزلة عظمت الشريعة فيما تظن، لكن بإبطال العقيدة، وأولئك عكسوا، فعظموا عقيدة القضاء والقدر بإبطال الأمر والنهي.
وهؤلاء الجبرية من هذا الصنف الثاني الذين قسموا الناس إلى عامة وخاصة، وجعلوا الجبر مخصوصًا بالخاصة فقط، وأما العامة فليست بمجبورة، وإنما هي مطلقة في الأمر والنهي، هؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، فعندهم أن الذي يجري عليه الأمر والنهي هو المعاقب المسكين من الذين لا يشهدون الحقيقة الكونية، لكن الأشخاص المتميزين الذين أكرمهم الله عز وجل بسقوط التكاليف عنهم هم أولئك الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فجعلوا الأمر والنهي الذي هو عماد الدين عقوبة للعامة، وهذا من أعظم فساد العقائد الذي يوجد عند هؤلاء.
يقول: [ولهذا يسقطون عمن وصل إلى شهود هذه الحقيقة الأمر والنهي] .
فيكرمونه إذا أسقطوا عنه الأمر والنهي، ويعاقبونه بجريان الأمر والنهي.