فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 446

في هذا الكتاب بعد المقدمة يقول الإمام أحمد: يقول الله عز وجل: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء:56] ، قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلودًا غيرها؟! فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تذنب حين يقول: (( بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ) )! فشككوا في القرآن وزعموا أنه متناقض، فقلت: إن قول الله تعالى: (( بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ) )ليس يعني: جلودًا غير جلودهم، وإنما يعني: بدلناهم جلودًا غيرها، فتبديلها بمعنى: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله؛ وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء.

وفي موضع آخر يقول: أما قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء:97] ، وقوله في آية أخرى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:50] فقالوا عنه: كيف يكون من الكلام المحكم قوله: (( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ) )، ثم يقول في موضع آخر: إنه ينادي بعضهم بعضًا؟! فشككوا في القرآن من أجل ذلك.

أما تفسير: (( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) )، وفي آية أخرى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} [الأعراف:44] ، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضًا، وينادون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف:77] ، ويقولون: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم:44] ، ويقولون أيضًا: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [المؤمنون:106] ، فهم يتكلمون، حتى قال الله لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] ، فصاروا عميًا وبكمًا وصمًا، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق، فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله.

وهكذا -أيضًا- في ردوده على الضالين من هؤلاء المبتدعة، ومن ذلك رده على المعتزلة والجهمية، قولهم: إن الله عز وجل يقول: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16] ، والقرآن شيء فهو مخلوق.

فقال لهم: يقول الله عز وجل: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) )، والله تعالى شيء، وما خلقه من الأشياء شيء، فالله عز وجل ليس مخلوقًا، ومنه الكلام، وكل شيء المقصود به بقية المخلوقات، هذا أولًا.

ثانيًا: من أسلوب القرآن استعمال هذا التعبير: (كل شيء) ، لكن ليس المراد به التعميم المطلق، وإنما المقصود به هنا ما من شأنه أن يُخلق، مثل قول الله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف:25] ، فمساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء) ، فالمقصود: كل شيء مما يستحق التدمير، أو مما يراد به التدمير، مثل العصاة والظلمة.

هذا هو كتاب الإمام أحمد رحمه الله (الرد على الزنادقة والجهمية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت