على أن الحقيقة المخزية وسط هذه الحيرة النفسية والعقلية أن الاستعمار الغربى ماض في طريقه بقسوة وصرامة، يجتث أصولهم، ويجتاح بقيتهم، ويرسم المؤامرات المهولة لإبقائهم إلى الأبد عبيد جبروته .. ! والحيوان في هذه المأزق يستقتل للنجاة بنفسه، والإفلات من صياديه. فكيف بإنسان لا تزال على حياته مسحة من نضارة الإيمان القديم، والأصل الكريم؟. لذلك اضطرمت معارك المقاومة، ونشبت في كل قطر حروب التحرير. وقد بدأت هذه الحركات المحنقة ثورات متفرقة لا يربطها نظام محكم، ولا تقيمها خطة موضوعة. كانت أشبه بدفاع الأفراد عن حياتهم خلال مدينة امتلأت باللصوص فجأة. واندلاع المقاومة على هذا النحو سهل على الغزاة أن يغلبوا كل فريق وحده. ومن ثم تمكن الاستعمار الغربى من احتلال أجزاء المغرب، وأجزاء وادى النيل، وأجزاء الجزيرة والشام والأ ناضول .. إلخ. إلا أن الأيام قاربت بين الأوصال المقطعة، والآلام وحدت صراخ المكلومين. فاتسقت الخطة لطرد الاستعمار، وتعاطف المصابون يحمل بعضهم بعضا، ويظاهره ضد العدو المشترك، وابتغاء النجاة من ظلمه وغشمه. وإلى هذه المرحلة من الخصومة القائمة لم يسمع أحد في العالم كلمة صدرت عن معسكر المدافعين تشير من قرب أو من بعد إلى أن حروب التحرير هى حروب ضد النصرانية نفسها. بل إن ذلك لم يخطر ببال أحد، فقد كان"الماوماو"في كينيا و"البراهمة"في الهند، و"البوذيون"في الصين، كان هؤلاء جميعا كالمسلمين في بلادهم، يقاتلون دون حقوق الإنسان التى أهدرها الاستعمار الصليبى، ويدافعون عن أموالهم وأعراضهم التى استباحها زبانيته! فما الذى جعل الصليبية الغربية تستجيش أحقادها الأولى، وتضرمها مرة أخرى ضد الإسلام وأهله. ما الذى جعلها تعتبر يقظتنا الأبية حركة ضد النصرانية. وعلام يدل هذا الاعتبار الآثم؟! ص_097