وفى أكناف السلام العادل الرحب لا يتقاتل الناس على منازلهم في الآخرة، وإنما تثور بينهم الفتن، وتعتكر الأحوال إذا هاجت المطامع، وعصف الغرور برؤوس الأقوياء، فحسبوا الدنيا حكرا لهم، واتخذوا عباد الله رقيقا لمأربهم. إننا نحن المسلمين نحمل في هذه الحياة رسالة الحق والخير والنور، ونريد أن نعيش بها وادعين، وأن تكون أوطاننا بها مثابة للسكينة والسلام، والطمأنينة والوئام، فهل يفقه هذا صانعوا الحرب ومشعلو الضغائن حينا بعد حين؟ والرسالة التى أصطفى الله العروبة لأدائها، ليست بدعا في تاريخ الحياة، ولا هى حدثا ترمقه الأبصار بدهشة، إنها التعاليم النبيلة التى سبق أن هتف بها موسى، وبشر بها عيسى، ودعا إليها الأنبياء قاطبة، وبذلوا الجهود المضنية لإقناع الناس بها، وسوقهم إليها. إن رسالة الإسلام ترديد لكل صوت كريم دوى في القرون الأولى، وتوكيد لكل معنى جميل تنتعش به الإنسانية وتسمو. ولذلك يقول الله لنبيه محمد: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) . ويقول لأمة الرسول العربى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) . وبهذه الوحدة في المنهج والهدف، وبهذه الاستقامة على الجادة الممهدة والغاية الممجدة، يتآخى المؤمنون ويتعاونون على مرضاة الله وصيانة الحقوق. ولكن نفرا من أتباع الأنبياء قد يجهلون أو يجحدون الحدود التى وقفهم الله عندها، فإذا هم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض. وإذا هم يخضعون لسياسات جائرة تقوم على التظالم واستمرار البغى. وما بعث الله محمدا إلى الناس إلا ليرد إلى الوحى الأعلى كرامة أهدرها السفهاء، وبريقا طمسه البغاة.
(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم